اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة سيداو CEDAW رؤية نقدية .. من منظور شرعي

 

ملفات ساخنة

 

مهندسة كاميليا حلمي تكتب: هل جائزة نوبل للسلام مدعاة للفخر والشرف؟؟

 

المنظمات النسوية ودور رأس الحربة

 

بـ فرمان دولي... الرضيع والمراهق والشاب كلهم أطفال

 

المجتمعات العربية من بكين إلى بكين +15

  • قرأت لك

  • رسالة دكتوراه تحذر من مخطط لتمزيق الأسرة المسلمة المزيد
    نماذج قدوة : الدكتورة فاطمة عمر نصيف المزيد
    ماذا حدث في مؤتمر ( بكين + 15 ) ؟! المزيد

     

     

     

     
     

    الرؤى النقدية

     

    اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة سيداو CEDAW رؤية نقدية .. من منظور شرعي

    مقدمة

    الفصل الأول: تقويم عام لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة..

    الفصل الثاني: تقييم تفصيلي لاتفاقية القضاء على جميع أشكـال التمييز ضـد المرأة

    الفصل الثالث: رؤية نقدية للبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو

    الفصل الرابع: ملاحق البحث

    ملحق (1): في الخصوصية الحضارية للمصطلحات

    ملحق (2): البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو

    ملحق (3): قرار مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن حول المادة (15) و(16) من اتفاقية سيداو

     

    إعداد لجنة الصياغة المنبثقة عن الاجتماع العام لمناقشة الاتفاقية

    أ.د. جمال الدين عطية

    أ.د. محمد كمال الديـن إمام

    أ.د. سعاد صـالح

    د. فتحي لاشين

    الشيخ/ جمال قطب

    مقرر لجنة الصياغة

    د. عمرو عبد الكريم سعداوي  - باحث في العلوم السياسية

    السادة العلماء الذين شاركوا في مناقشة الاتفاقية ووضع الملاحظات على الرؤية النقدية (*):

    أ.د. إبراهيم الخولي

    أستاذ متفرغ بجامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. أحمد العسال

    نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية- إسلام أباد- باكستان.

    أ.د. إسماعيل الدفتار

    أستاذ علم الحديث بكلية أصول الدين- جامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. جمال الدين عطية

    مستشار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ومدير مشروع معلمة القواعد الفقهية- المملكة العربية السعودية.

    الشيخ/ جمال قطب

    مدير عام الإعلام الديني بالأزهر الشريف.

    أ.د. سعاد صالح

    رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر.

    أ.د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل

    أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة.

    أ.د. عبد الفتاح بركة

    الأمين العام الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية- جمهورية مصر العربية.

    أ.د. عبد الودود شلبي

    مسئول الإعلام الأسبق بالأزهر الشريف.

    د. فاطمة عبد الستار قطب

    مدرس علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية- جامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. فاطمة عمر نصيف

    أستاذ مشارك- متقاعد- بقسم الدراسات الإسلامية- جامعة الملك عبد العزيز بجدة، ورئيس اللجنة النسائية للإعجاز العلمي بجدة- المملكة العربية السعودية.

    د. فتحي لاشين

    المستشار بوزارة العدل- جمهورية مصر العربية.

    أ.د. محمد أحمد المسير

    أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين- جامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. محمد رأفت عثمان

    عميد كلية الشريعة والقانون- جامعة الأزهر الشريف.

    د. محمد عمارة

    مفكر إسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.

    أ.د. محمد كمال الدين إمام

    أستاذ القانون المقارن بكلية الحقوق- جامعة الإسكندرية- جمهورية مصر العربية.

    أ.د. محمود علي حماية

    أستاذ ورئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية- كلية أصول الدين- أسيوط-  جمهورية مصر العربية.

    أ.د. يوسف القرضاوي

    رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس مجلس الإفتاء الأوربي- دبلن- أيرلندا- ومدير مركز بحوث السيرة والسنة بجامعة قطر.

    * * *


     

     

    مقدمـة

    1-التحركات الدولية لإقرار الاتفاقية:

    شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين اهتمامًا متزايدًا بقضية (حقوق المرأة)، كما تصاعدت حركة واسعة النطاق تستهدف دفع الاهتمام بالقضايا المتعلقة بها على مستوى العالم، فكان المؤتمر العالمي الأول للمرأة عام 1975 بالمكسيك، كما أعلنت الأمم المتحدة سنة 1975 السَّنة العالمية للمرأة، ومع أهمية القضية أصبحت السنة عقدًا كاملاً للمرأة، ثم جاء مؤتمر الأمم المتحدة لإزالة جميع الفوارق بين الرجل والمرأة سنة 1979، ثم تبع ذلك المؤتمر الثاني للمرأة عام 1980 في كوبنهاجن، ثم المؤتمر الثالث في نيروبي عام 1985، تحت عنوان: (الاستراتيجية التطلعية في قضية المرأة)، وأخيرًا جاء المؤتمر الرابع للمرأة في بكين في سبتمبر 1995، إضافة إلى بعض المؤتمرات (الدولية) الخاصة بقضايا مختلفة لها صلة بالمرأة، مثل مؤتمر الطفل بنيويورك عام1990، ومؤتمر البيئة والتنمية في ريودي جانيرو عام 1992، ومؤتمر حقوق الإنسان بفيينا في 1993، والسكان والتنمية بالقاهرة عام 1994، ومؤتمر التنمية الاجتماعية بكوبنهاجن عام 1995، ومؤتمر إسطنبول للمستوطنات البشرية «habitat» 1996، ومؤتمر الإنسان والثقافة في استكهولم سنة 1998.

    وتسعى الأمم المتحدة من خلال تلك المؤتمرات إلى إرساء قواعد كونية تنظم وتحكم السلوك البشري (الأخلاقي والقانوني) في العالم كله، في كل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها، ويبين ذلك طبيعة الموضوعات التي انعقدت من أجلها كل تلك المؤتمرات، من استهدافها لمظان التوجيه والسيطرة على السلوك الإنساني بصفته الفردية، أو في إطار الأسرة والمجتمع.

    2- مراحل إعداد الاتفاقية والغرض منها:

    يعود تاريخ العمل على وضع اتفاقية تحدد حقوق المرأة في الأمم المتحدة إلى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك عبر عدة مراحل:

    - في عام 1952 أعدت مفوضية مركز المرأة بالأمم المتحدة معاهدة حقوق المرأة السياسية، والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

    - وفي عام 1967 أجازت الأمم المتحدة إعلانًا خاصًّا بالقضاء على التمييز ضد المرأة، دعا إلى تغيير المفاهيم، وإلغاء العادات السائدة التي تفرق بين الرجل والمرأة، مع زيادة مساحة الدور المُعطى للمنظمات غير الحكومية، حيث نص الإعلان على أن: المنظمات النسائية غير الحكومية هي القادرة على إحداث هذا التغيير، عن طريق تحدي الأعراف والقيم الدينية والثقافية السائدة.

    - وفي عام 1973 بدأت مفوضية حركة المرأة بالأمم المتحدة في إعداد معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأكملت إعدادها في 1979.

    - وفي عام 1974 صدر الإعلان العالمي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنـزاعات المسلحة.

    - وفي يوم 18 من ديسمبر عام 1979 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية باعتبارها إحدى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، إذ تؤكد ديباجتها على أن: حقوق المرأة حقوق إنسانية Women Rights are Human Rights، كما تدعو الاتفاقية بصورة شاملة إلى المساواة المطلقة في الحقوق بين المرأة والرجل في جميع الميادين: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والمدنية. وتعد الاتفاقية بعد المصادقة عليها مُلزمة قانونيًّا للدول بتنفيذ بنودها.

    وتعد الاتفاقية لذلك من أخطر الصكوك الدولية؛ فهي بمثابة قانون دولي تصبح بموجبه الدول الأطراف الموقعة عليها ملتزمة باتخاذ كافة التدابير للقضاء على أي فوارق بين الرجال والنساء، سواء على مستوى الحياة العامة فيما يتعلق بممارسة جميع الحقوق: المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وفي التمتع بهذه الحقوق، أو على مستوى الحياة الخاصة، وعلى وجه الخصوص في الإطار الأسري.

    وتعتبر هذه الاتفاقية نتيجة لسياسات (وضع الأجندة) Agenda Setting، وهو مفهوم يلخص عملية تحديد الأولويات التي يتعين على مختلف بلدان العالم التفكير بها، والحوار حولها، وذلك من خلال انتقال الموضوعات ذات الاهتمام من قائمة أولويات الحضارة الغربية، إلى القائمة العامة لأولويات الشعوب (باختلاف ثقافاتها).

    وتتم عملية وضع الأجندة بعدة مراحل:

    - تبدأ بتكثيف اهتمام وسائل الإعلام، وتسليط الضوء عليها حتى يثور الاهتمام العام بها، فتصل إلى مصاف الاحتياجات الاجتماعية الدولية، وبالتالي يبدأ النقاش العام حولهاPublic Discussion في مختلف بلدان العالم، ضمن حوارات الأشخاص، أو أفراد الجمهور العام، وبذلك تبدأ المرحلة الأولى من مراحل تشكيل الرأي العام الدولي.

    - ثم تأتي المرحلة الثانية من مراحل صياغة قواعد كونية تحكم السلوك البشري والعالم كله في كل مجالات الحياة: الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، عبر المؤتمرات الدولية؛ للخروج بمواثيق واتفاقيات تكون ملزمة للبلدان التي تصدق عليها، ثم يتم الضغط الدولي على مستويين:

    ?    الضغط على الدول التي لم توقِّع عليها أصلاً؛ ليتم التوقيع والتصديق عليها.

    ?    الضغط على الدول التي وقَّعتْ ولها تحفظاتها على بعض البنود؛ لرفع تحفظاتها.

    وفي هذا الإطار يتم تدويل قضايا المرأة، عبر تسييسها واستخدامها كورقة ضغط على الأنظمة والدول التي تقاوم النمط الحضاري الغربي، سواء أكانت المقاومة على أسس دينية عقائدية، أو أخلاقية فلسفية، أو اجتماعية اقتصادية.

    - وفى يوم 3 من ديسمبر عام 1981 أصبحت الاتفاقية سارية المفعول بعد توقيع خمسين دولة عليها، طبقًا لأحكام المادة (27) التي تنص على مبدأ نفاذ الاتفاقية بعد شهر من تصديق أو انضمام الدولة رقم عشرين عليها، وكانت تونس هي الدولة العربية الوحيدة التي وقَّعَت على الاتفاقية قبل نفاذها.

    ومنذ خروج الاتفاقية إلى حيز التنفيذ على مدار سبعة وعشرين عامًا، تكون جميع الدول العربية قد صادقت على الاتفاقية، باستثناء السودان والصومال.

    وقد انضمت إلى عضوية الاتفاقية حتى عام 2000 إحدى عشرة دولة عربية، وإن تحفظت على بعض البنود([1])، وهي: الأردن- العراق- الكويت- ليبيا- المغرب- تونس- الجزائر- لبنان- مصر- اليمن- جزر القُمُر. ومن الدول الإسلامية التي صادقت على الاتفاقية: إندونيسيا- باكستان- بنجلاديش- تركيا– ماليزيا.

    ثم توالى انضمام بقية الدول العربية، حيث انضمت المملكة العربية السعودية عام (2000)، وموريتانيا (2001)، ثم البحرين (2002)، ثم سوريا والإمارات (2004)، ثم عُمان  (2006)، وأخيرًا قطر انضمت في (2009).

    وتعاني الحكومات المختلفة من ضغوط كثيرة من لجنة السيداو؛ لرفع تحفظاتها، وبدأ بعضها بالفعل في رفع تلك التحفظات.

    وينقسم البحث إلى عدة فصول:

    الفصل الأول: تقويم عام للاتفاقية.

    الفصل الثاني: تقييم تفصيلي للاتفاقية.

    الفصل الثالث: رؤية نقدية للبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو.

    الفصل الرابع: ملاحق البحث.

    * * *

    الفصل الأول: تقويم عام لاتفاقية القضاء  على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

    أ- إيجابيات الاتفاقية:

    يُحْمَد للاتفاقية النص على إجراءات وتدابير تحمي حقوق الإنسان، مثل:

    المادة (3) التي تعمل على كفالة تطور المرأة وتقدمها، وضمان ممارستها لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

    والمادة (5/أ) التي تهدف إلى تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية، وكل الممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية، أو تفوق أحد الجنسين.

    كما يُحمَد للاتفاقية النص في المادة (6) على: اتخاذ الدول جميع التدابير لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلالها في الدعارة، فيُحمَد للاتفاقية هجومها على المتاجرة بالنساء، وتجارة الرقيق الأبيض، وإكراه الفتيات على البغاء.

    كما يُحمَد للاتفاقية في المادة (7) النص على: اتخاذ الدول جميع التدابير المناسبة لأنْ تمارس النساء حقوقهن السياسية: ترشيحًا، وانتخابًا، ومشاركة في صياغة السياسات الحكومية، وجميع المنظمات والجمعيات غير الحكومية.

    يُحمَد لهذه الاتفاقية أيضًا النص في المادة (10) على: ألا يحول دون حق المرأة في التعليم حائل مبني على التفرقة بسبب الجنس أو الدين.

    كما يُحمَد لهذه الاتفاقية أيضًا النص في المادة (11) على: العمل على تساوي حقوق النساء مع الرجال في استحقاق أجر متساوٍ لعمل متساوٍ، وكذلك الضمان الاجتماعي، والوقاية الصحية، وسلامة ظروف العمل.

    ب- وما قررته هذه المواد على النحو السابق يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية في عطائها للمرأة تأصيلاً لحقوقها، وحماية لها:

    من منطلق رؤية كلية أعطى الإسلام النساء حقوقًا كاملة في أربع دوائر / مجالات:

    المجال الإنساني: فاعترف بإنسانيتها كاملة، لجعلها والرجل سواء بسواء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]، وقال النبى ﷺ: «النساء شقائق الرجال» [ رواه الترمذي].

    المجال الاجتماعي: ففتح لها باب العمل الاجتماعي من جميع جوانبه.

    المجال الاقتصادي والقانوني: حيث أعطاها الإسلام الأهلية الكاملة بما لها من قدرات عقلية ونفسية وجسدية تؤهلها لهذا.

    المجال الأسري: اعتنى الإسلام- أيما عناية- بالبنت قبل الزواج، فأوجب على الأب رعاية ابنته وحمايتها وتعليمها والإنفاق عليها إلى أن تتزوج، وأعطاها حق اختيار زوجها، واشترط موافقة الولي أو علمه عند زواجها لأول مرة؛ مساعدةً لها في التأكد من صلاحية الزوج، وقدرته على القيام بمسئولياته؛ لغلبة عاطفتها، وعدم تجربتها الزواج من قبل.

    وبعد الزواج أَوْلَى الإسلام عناية كبيرة بمؤسسة الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع، التي تحقق استقرار وتعاون أفراده، فوضع لها من الأحكام ما يكفل لها ذلك الاستقرار، ويحقق مقاصده، فجعل عقد الزواج عقدًا رضائيًّا لا يصح إلا برضاء المرأة الحر الكامل، واعتبر الأسرة شركة أو مؤسسة، ولذا لابد لها من رئيس أو قائد يتحمل مسئوليتها، وحمايتها، وتحقيق مصالحها، وقد كلَّف الإسلام الرجل بتلك المسئولية التي عرفت باسم (القوامة)، وهي مسئولية رعاية وحماية وكفالة تمارس في إطار من التراضي والتشاور، كما حمّله وحده مسئولية الإنفاق على الأسرة ولو كانت الزوجة غنية.

    وجعل فصم عُرَى رابطة تلك المؤسسة لكلا طرفيها على السواء، فإذا أنهى الرجل تلك العلاقة الزوجية سُمِّيَ ذلك طلاقًا، وتحمَّل تبعاته، وإذا قامت بإنهائها المرأة سُمِّيَ خلعًا، وأعادت لزوجها ما قد كانت أخذته منه من مهر للزواج، ولها أيضًا أن تنهي تلك العلاقة عن طريق طلب الطلاق أمام القاض للضرر، ويمكنها أيضًا إنهاؤها إذا اشترطت أن تكون العصمة بيدها عند عقد الزواج.

    وبالإضافة لكل هذا، وضع الإسلام عددًا من الخطوات الإصلاحية بين الزوجين إذا وصلا إلى حافة الطلاق، منها: الصلح، والتحكيم.

    أما الفلسفة العامة التي تحكم الحياة والسلوك الإنساني خاصة بين الرجل والمرأة، فقد قامت على المساواة في الحقوق  ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [من الآية 228، سورة البقرة]، «النساء شقائق الرجال»، فقد خُلِقا من نفس واحدة، لهما مهمات مشتركة كنفس إنسانية واحدة، ومع ذلك فلكل منهما مهمات مختلفة (كذكر وأنثى)، وهي تفرقة في الأدوار أو الوظيفة الموكَّلة لكل منهما؛ نتيجة اختلاف تكوين كل منها في طبيعة الخلقة بدنيًّا ونفسيًّا، وعواطف ومشاعر وقدرات مختلفة، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ففي هذه الأمور ليس ثمة تماثل ولا تطابق بين الرجل والمرأة، وهو ما يحتم عقلاً ومنطقًا ومصلحة أن يكون لكل منهما وظيفة تلائم طبيعته، ولا تتنافر معها، وذلك حتى يكمل كل منهما الآخر داخل منظومة متعددة الوظائف، بدلاً من أن يكرر كل منهما الآخر، مما يخلق مجتمعًا أحادي الجانب خلافًا لمقتضى الفطرة، ويؤدي إلى تفكك وانهيار الأسرة ثم المجتمع.

    ج- سلبيات الاتفاقية:

    نقد الإطار العام: الفلسفة الكامنة، والمرجعية، والمفاهيم، والمصطلحات:

    1- رغم أن الاتفاقية نصت في المادة (17) على مراعاة مبدأ التوزيع الجغرافي العادل، وتمثيل مختلف الأشكال الحضارية، والنظم القانونية الرئيسية في العالم عند إنشاء لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ولكن عمليًّا لم يتم تنفيذ ذلك؛ لأن المادة لم تنص في إجراءات انتخاب أعضائها على آلية تحقق مراعاة هذه الاعتبارات، وهذا نقص في هذه المادة ينبغى استكماله، أو على الأقل التحفظ عليه من قِبَل تلك النظم القانونية والأشكال الحضارية في العالم، والتي لم تُمثَّل التمثيل الدقيق بما يراعي خصوصياتها.

    الأهم من ذلك هو التناقض القائم بين النص على مراعاة الخصوصيات الحضارية والثقافية والقانونية، والنصوص التفصيلية التي تكرس معايير نمطية يراد فرضها على جميع البشر من دون مراعاة هذه الخصوصيات، ولعل هذا هو العيب المحوري في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، حيث لم تفرق بين مستويين كان ينبغي التفرقة بينهما:

    - مستوى النص على المبادئ.

    - مستوى الوسائل التطبيقية / التفصيلية.

    وإذا كان المستوى الأول مناسبًا على مستوى العالمية، فإن المستوى الثاني متنوع بطبيعته وفقًا للخصوصيات الحضارية والثقافية والقانونية، وفرض نمط واحد من الوسائل والأفكار والسلوكيات على مستوى العالمية فيه إهدار لكل المبادئ المتعلقة باحترام التنوع الديني والثقافي، وسيادة الدول، وحق الشعب في تقرير المصير، والتي نصت عليها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة- وهو دستور المجتمع الدولي، والذي يعلو على كافة المعاهدات الأخرى- حيث نص في مادته (103) على أنه:

    (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق).

    وميثاق الأمم المتحدة قد نص على احترام ثقافات الشعوب، كما نصت عليه العديد من الاتفاقيات الدولية، ومنها وثيقة القاهرة للسكان.

    «... وسوف يتطلب برنامج العمل إقامة أرضية مشتركة، مع الاحترام الكامل لمختلف الأديان والقيم الأخلاقية، والخلفيات الثقافية([2])».

    غير أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تغلب عليها نظرة واحدة للإنسان والكون والحياة، هي النظرة الغربية(*)، التي ليس للقيم الدينية أو الخصوصيات الحضارية مكان فيها.

    وهذا النقد ثبتت صحته عمليًّا في إطار الأمم المتحدة ووحداتها المتخصصة، ففي عام 1989 بدأ العقد العالمي للتنمية الثقافية، وفي نهاية العقد تبين أن فشل كثير من برامج الأمم المتحدة يعود إلى عدم مراعاة الخصوصيات الحضارية.

    أما بخصوص ما تطرحه الاتفاقية من حقوق وواجبات، فإنه يغلب عليها سيادة النظرة الغربية التي تحمل مضمونًا لمنظومة الحقوق والواجبات يختلف عن مضمون منظومة الحقوق والواجبات لدى كثير من حضارات العالم، ومن ثم فإن فرض الرؤية الغربية على الاتفاقية يشكك في مصداقيتها في التعبير عن الاحتياجات الحقيقية لكل نساء العالم.

    2- لعل أهم عناصر الفلسفة الكامنة خلف اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW، هي نظرتها للإنسان باعتباره كائنًا ماديًّا يستمد قيمه وأفكاره من القوانين الطبيعية المادية، ويخضع لنفس الظروف المادية، وللحتميات الطبيعية دون غيرها.

    ومن ثم، فإن الحقوق الإنسانية للمرأة التي تتحدث عنها الاتفاقية هي حقوق لإنسان- عبارة عن امرأة، أية امرأة- يمثل كائنًا فرديًّا منعزلاً، أحاديّ البعد، غير اجتماعي، ولا علاقة له بأسرة أو مجتمع أو دولة، أو مرجعية تاريخية أو أخلاقية.

    وهذه الفلسفة في مجملها تمثل جوهر مفاهيم الحضارة الغربية، ونظرتها للإنسان والكون والحياة، وتصوراتها للخالق، ومساحات الثابت والمتغير في الحياة الإنسانية.

    3- أما أهم هذه المفاهيم الغربية الحاكمة على الإطلاق، والتي تمثل الفلسفة الكامنة لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW، فهي:

    o   مفهوم القانون الطبيعي Natural Law: المرتبط بذاتية الإنسان من الناحية الطبيعية، بغض النظر عن فكره ومنهجه وعقيدته.

    والقانون الطبيعي ليس قانونًا بالمعنى الدقيق، ولكنه مجرد (افتراض) أن هناك قواعد عقلانية نظرية سابقة على وجود الجماعة البشرية، وأنها تحتوي على (حقوق طبيعية) للإنسان، تولد معه، وتظل لصيقة به، في الوقت الذي لا تفرض فيه على الفرد أية واجبات مقابل تمتعه بهذه الحقوق، وممارسته لها.

    لذلك يكون الإنسان في هذا التصور الكلي مُشَرِّعَ نفْسِه، وهو الذي يحدد حَقَّه، رافضًا أن يكون شَرعُه مُنَـزَّلاً من السماء، أو مستمدًا من الطبيعة الاجتماعية، أو البيولوجية الحسية.

    o   والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة إلى درجة التماثل أو التطابق التام تشمل جميع مناحي الحياة كحل أوحد وأساس، تقوم على رفض حقيقة وجود تمايز في الخصائص والوظائف بين الرجل والمرأة.

    o   والفردية: بمعنى النظر للمرأة كفرد، وليس كعضو في أسرة، ذلك أن الحضارة الأوربية تقوم على الفرد والفردية، وهذا ما يتعارض مع نظرية الإسلام الذي وإن اعترف للمرأة بما توجبه إنسانيتها من حقوق، فإنه لا يقوم- أصلاً- على نظرية الغاية الفردية، وله نظرة وسطية متوازنة بين الفردية والجماعية، ويحترم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وتظهر في مجال المرأة باعتبارها إنسانًا وأنثى، وأنها والرجل صِنوان في الحقوق الإنسانية العامة، وفي خطاب التكليف، وفي الثواب والعقاب، ووضَع قيمًا وضوابط وآدابًا لتنظيم العلاقة بينهما وضبطها.

    o   وحتمية الصراع وديمومته لتنال المرأة حقوقها: فالخطاب (الأنثوي (Feminism هو خطاب يؤدي إلى تفكيك الأسرة، ويعلن حتمية الصراع بين الذكر والأنثى، وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق والضيق والملل  بين الزوجين، ويقوم على أن المرأة لا يمكن أن تحقق هويتها إلا خارج إطار الأسرة.

    4- بالنسبة للمادتين (2) و(16)، فإن البيان الذي أصدرته لجنة الاتفاقية بالأمم المتحدة، بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بتاريخ يوليو عام 1997، لا يجيز التحفظ على هاتين المادتين، إذ نص على ما يلي:

    (تعتبر اللجنة المادتين (2) و(16) جوهر الاتفاقية، ولا يجوز التحفظ عليهما بموجب المادة (28، فقرة 2) من الاتفاقية، التي تحظر التحفظ الذي ينافي موضوع الاتفاقية وغرضها، كما أن التحفظ عليهما يعتبر أيضًا منافيًا لأحكام القانون الدولي العام، وأن تعارض المواد (2) و(16) مع الممارسات التقليدية، أو الدينية، أو الثقافية لا يمكن أن يبرر انتهاك الاتفاقية، وأن التحفظ على المادة (16)- الخاصة بالأسرة- سواء أكان لأسباب قومية أو تقليدية أو دينية، فإنه يعتبر منافيًا لموضوع الاتفاقية وغرضها، وبالتالي لابد من سحبه).

    إلا أن ذلك يتناقض تناقضًا تامًّا مع ما جاء في كتاب: (التمييز ضد المرأة- الاتفاقية واللجنة)، الصادر عن الأمم المتحدة، عند الحديث عن المادة (28، فقرة 2) الخاصة بالتحفظ على الاتفاقية: إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تجيز للدول الأطراف أن تبدي تحفظًا- أي إعلانًا رسميًّا - بشأن أنها لا تقبل أن يكون جزء معين، أو أن تكون أجزاء معينة من المعاهدة مُلزمة لها.

    وليس لدى اللجنة سلطة تقرير ما إذا كانت التحفظات متنافية أو غير متنافية مع مقصد الاتفاقية وموضوعها، فمسألة التنافي يمكن أن تجيب عليها محكمة العدل الدولية، ولكن لم تطلب أية دولة- حتى الآن- رأيًا استشاريًّا من هذه المحكمة حول ما جاء في البيان المذكور من رفض التحفظات.

    6- وكما تفرض الاتفاقية رؤية واحدة، ومنهجًا واحدًا في الحياة، تفرض أيضًا مصطلحات ومفاهيم لا يمكن إدراكها إلا في سياقاتها الغربية، ومن ذلك مفهوم الأدوار النمطية، بمعنى القضاء على دور الأم المتفرغة لرعاية أطفالها، ودور الأب في الأسرة، وقد ألحقنا بيانًا بمصطلحات الاتفاقية في آخر هذه الدراسة.

    7- ومن ثم، فإن نقد الإطار العام للاتفاقية يعني رفض ثلاثة أشياء:

    - الفلسفة الغربية الكامنة خلف الاتفاقية، والرؤية العامة للإنسان والكون التي تحملها الاتفاقية.

    - المنهج الواحد في الحياة الذى تُروّج له، بل وتلزم به مختلف الأمم والشعوب.

    - المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في سياقاتها.

    * * *

     

    الفصل الثاني: تقييم تفصيلي لاتفاقية القضاء على جميع أشكـال التمييز ضـد المرأة

    المادة (1)

    هذه المادة عرَّفَتْ التمييز على أنه: (أية تفرقة أو استبعاد أو تقييد(*) يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة- على أساس تساوي الرجل والمرأة - بحقوق الإنسان، والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أو في أي ميدان آخر، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق، أو تمتعها بها، وممارستها لها، بغض النظر عن حالتها الزوجية).

    والملاحظات الأساسية على هذه المادة هي:

    1- أن التمييز مصطلح قانوني له تداعياته وآثاره الاجتماعية، وإن كانت لفظةDiscrimination  تعبِّر عن الظلم والإجحاف أكثر مما تعبر عن التفرقة والاختلاف، وليست كل تفرقة ظلمًا؛ بل إن العدل- كل العدل- يكون في التفرقة بين المختلفين، كما أن الظلم- كل الظلم- في المساواة بينهما، والتفرقة بين المتماثلين، فالمساواة ليست بعدل إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق رغم تفاوت واجباتهم وكفاياتهم وأعمالهم، فليس من العدل والإنصاف، أو المصلحة، أن يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت في الخصائص التي تناط بها الحقوق والواجبات.

    2- يبدو من ظاهر نص المادة أنها تهدف إلى المساواة، غير أن التمعن في الفلسفة الكامنة والخلفيات لها، تكشف أنها لا تهدف إلى مجرد المساواة، وإنما إلى التماثل التام أو التطابق ولو في حالة اختلاف الخصائص والقدرات، وهو عين الظلم وليس المساواة.

    فهذه المادة تنص على التماثل والتطابق التام بين الرجل والمرأة، وهي مخالفة لحقائق كونية وشرعية في آنٍ واحد، فالله لم يخلق فردًا واحدًا مكررًا من نسختين، بل خلق زوجين: ذكرًا وأنثى، وهي حقيقة كونية كذلك ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49]. ومن ثم، فإن دعوات وحدة الجنس unisex، أو تعدده بأكثر من اثنين لوجود جنس ثالث هو النوع الاجتماعي social Gender، هي دعوات مصادمة لنواميس الفطرة والخلق وطبائع الاجتماع.

    المادة (2)

    هذه المادة تصف آلية عمل الاتفاقية:

    (تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتوافق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقًا لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:

    أ) تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية، أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أُدمِجَ فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال القانون والوسائل المناسبة الأخرى.

    ب) اتخاذ المناسب من التدابير التشريعية وغيرها، بما في ذلك ما يقتضيه الأمر من جزاءات؛ لحظر كل تمييز ضد المرأة.

    ج) إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة- عن طريق المحاكم الوطنية ذات الاختصاص، والمؤسسات العامة الأخرى- من أي عمل تمييزي.

    د) الامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.

    هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص، أو منظمة، أو مؤسسة.

    و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.

    ز) إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.

    والملاحظات الأساسية على هذه المادة هي:

    أ- ملاحظات عامة: وصف آلية عمل الاتفاقية من خلال المادة (2) وبنودها الـ (7):

    1- هذه المادة تشكل جوهر الاتفاقية وموضوعها وغرضها الأساسي.

    2- هذه المادة تعمل على كافة المستويات الممكنة، مثل: مستوى الدستور/ القانون، مستوى الممارسة، الواقعية، مستوى الدولة ومؤسساتها، مستوى المجتمع بتكويناته وقواه وهياكله، مستوى المؤسسات العامة أو المنظمات، مستوى الأفراد، مستوى الجانب الإيجابي (سَن تشريعات)، ومستوى الجانب السلبي (حظر تشريعات).

    3- تتكامل هذه المادة مع سابقتها، في أن الاتفاقية تعمل بالتدريج، أي تنتقل من نطاق إلى نطاق بتدرج ونظام، وذلك على مستويين:

    أولهما: تعديل أية تشريعات تعتبر تمييزية (من وجهة نظر الاتفاقية).

    وثانيهما: إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية المتعارضة معها، باعتبار الاتفاقية ناسخة لغيرها من التشريعات والأحكام.

    4- الاتفاقية تشكل ببنودها حزمة أو منظومة مترابطة ومتلاحمة، بما يُحكم الخناق حول الحكومات؛ لإجبارها على تغيير كافة تشريعاتها الوطنية بما يحقق المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة.

    ب- وفيما يلي الملاحظات التفصيلية على بنود المادة:

    1- الملاحظات على البند (أ): يفرض هذا البند على الدول العمل على مستويين:

    الأول: مستوى الدساتير، وهو القانون الأعلى، أو مصدر القوانين والمحدد للمعالم الأساسية لها.

    الثاني: مستوى القوانين التفصيلية أو التشريعات.

    ومن ثم، فإن قبول هذا البند معناه أن الاتفاقية تتدخل في إطار سيادة الدولة، وما يحدده دستورها من معالم شتى تنبني على أساسها قوانينها.

    2- الملاحظات على البند (ب): يعمل هذا البند على مستويين:

    الأول: المستوى الإيجابي، وهو التدخل بفرض تدابير تشريعية، ووضع جزاءات (عقوبات) لمرتكبي فعل التمييز (من منظور الاتفاقية).

    الثاني: المستوى السلبي، وهو تعهد الدول بالامتناع عن أي عمل أو ممارسة تعدها الاتفاقية تمييزًا، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.

    مما يؤكد أن لفظ التمييز هو مصطلح قانوني فرضت له الاتفاقية رؤية خاصة، وله تداعياته وآثاره القانونية المترتبة على اقتراف فعل (التمييز).

    3- الملاحظات على البند (جـ): تتعلق بمحاولة تقنين الاتفاقية، وتثبيت مفاهيمها داخل الأنظمة القانونية للدول، وذلك عبر عمل المحاكم الوطنية، حيث يخلق عمل المحاكم الوطنية شبه اليومي وقائع لا حصر لها تكرس مفهوم التماثل، وتخلق له - كذلك- سوابق قانونية تطبيقية.

    4- الملاحظات على البند (د): يعمل هذا البند على مستوى السلطات والمؤسسات العامة، وهو المستوى الواقعي في فرض الاتفاقية، حيث تمثل تلك المؤسسات دولاب العمل الحكومي اليومي، وهي ضرورية لفرض رؤية الاتفاقية، ليس من خلال النصوص والمواثيق فقط، وإنما أيضًا من خلال ممارسات يومية تفرض نمط الحياة، وطريقة العيش، وهما أخطر مجالات التأثير؛ لأنهما يفرضان تغييرًا في البنية الذهنية والسلوكية للأفراد، وتصوراتهم للإنسان والكون والحياة.

    5- الملاحظات على البند (هـ): يعمل هذا البند على مستوى الفرد، وعلى مستوى المنظمة والمؤسسة، باتخاذ جميع التدابير المناسبة نحو كل من (يُميّز) ضد المرأة، سواء صدر عن شخص، أو منظمة، أو مؤسسة.

    6- الملاحظات على البند (و): بمقتضى هذا البند تتعهد الحكومات بتعديل أو إلغاء كافة الأنظمة والأعراف والممارسات، وبذلك تضع الاتفاقية نفسها مصدرًا أعلى من مصادر القانون عند أغلب مجتمعات العالم (الدين- العرف- التقاليد)، بل تجعل من نفسها ناسخًا لكل القوانين الأخرى، وتصبح هي مرجعية في ذاتها.

    7- الملاحظات على البندين (و) و (ز): يدعوان إلى اتخاذ جميع التدابير، بما في ذلك التشريع، لإبطال كافة الأحكام واللوائح والأعراف التي (تُميز) بين الرجل والمرأة في قوانينها، وأن تستبدل بها قوانين تؤكد القضاء على هذه الممارسات، سواء أكانت صادرة عن أشخاص، أو ناتجة عن تقاليد أو أعراف دون استثناء، حتى تلك التي تقوم على أساس ديني، وهي مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية؛ لأنها لا تقتصر على المسائل المدنية، بل تمتد لتشمل قوانين الأسرة أيضًا، أو ما يُسمَّى بقوانين الأحوال الشخصية، وهي أخص خصائص المجتمعات والشعوب؛ لاعتماد هذه القوانين على أسس دينية، وخصوصيات حضارية وثقافية.

    وبمقتضى هذه المادة تصبح جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء لاغية وباطلة، ولا يصح الرجوع إليها، أو التعويل عليها، ويبدو الأمر كما لو أن أحكام الشريعة نسختها هذه الاتفاقية (الدوليةرغم أن السعي الدولي لإبطال هذه القوانين الشرعية (الإسلامية) يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة نفسه، الذي نص على احترام التنوع الثقافي والديني في العالم.

    المادة (3)

    وهي خاصة بالتدابير التي تحقق المساواة المطلقة للمرأة مع الرجل:

    (تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين، وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان، والحريات السياسية، والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل).

    الملاحظات:

    إن المساواة تتحقق في الشريعة الإسلامية فيما اتفق فيه الجنسان من قدرات وخصائص إنسانية، أما ما يختلفان فيه، فيأتي هنا مفهوم العدل، وليست المساواة المطلقة.

    وإن مفهوم الشريعة للمساواة لا يعني التطابق أو التماثل، كما تم شرح ذلك في مكان آخر من هذه (الرؤية النقدية).

    كما يلزم التنويه هنا إلى أن وجهة نظر الشريعة الإسلامية لمفهوم تطور المرأة- وكذلك لتطور الرجل- إنما يعني تحسين وضع كل منهما في كافة الميادين، في إطار منظومة القيم والمبادئ الاجتماعية والدينية الحاكمة.


     

    المادة (4)

    وهي متعلقة بالتدابير الخاصة بالتعجيل بالمساواة:

    (1- لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزًا، كما تحدده هذه الاتفاقية، ولكنه يجب ألا يستتبع بأية حال- كنتيجة له- الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير عندما تكون أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة قد تحققت.

    2- لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة تستهدف حماية الأمومة، بما في ذلك تلك التدابير الواردة في هذه الاتفاقية، إجراءً تمييزيًّا).

    الملاحظات:

    هذه المادة متعلقة بحثّ الأطراف المعنية على اتخاذ تدابير خاصة مؤقتة؛ تعجيلاً لتحقيق التساوي التام بين الرجل والمرأة في جميع المجالات، وتحدد أهدافها كمساواة في الفرص وفي النتائج.

    وفي هذه المادة تجاهل للاختلافات الفسيولوجية بين الرجل والمرأة، ولدور المرأة في الأمومة، والنظر للجنسين باعتبارهما شيئًا واحدًا، ويعبر ذلك عن فكر الحركة الأنثوية الراديكالية Feminism Radical، التي شككت في مضمون الذكورة والأنوثة، واعتبرتهما شيئًا راجعًا للبيئة والتنشئة الاجتماعية، لا لحقيقة قدرات الطرفين وصفاتهما الخاصة، ونادت هذه الحركة بتفكيك الأسرة باعتبارها مؤسسة مصطنعة، وليست طبيعية، وانتقدت حصر دور المرأة في الأمومة والإنجاب، واعتبرت أن قيم العفة والأمومة وضعت لتزييف وعي المرأة؛ لتَقْنَع بالمجال الخاص، ونادت باعتماد المرأة على نفسها اقتصاديًّا، وطرحت الشذوذ والتلقيح الصناعي والسحاق كأحد البدائل.

    وتنطوي هذه المادة على التفرقة بين الرجل والمرأة لصالح المرأة، أي أنها تلغي هنا قانون المساواة نفسه، وتقرر تمييزًا لصالح المرأة، فيما تم تعريفه بـ(التمييز الإيجابي).

    وإذا كان من الجائز– حسب منطق هذه المادة- أن نمايز بين الرجل والمرأة لتمايز الظروف، فلماذا لا يكون الأصل هو اختلاف الظروف، ومن ثَمَّ اختلاف قوانين التعامل، وليس محاولة خلق قوانين تفرض التماثل على واقع هو متمايز بذاته، خاصة إذا كانت تلك القوانين إلهية المصدر، ولها جذور راسخة في نفوس معتنقيها.

    ومن ثَمَّ، فلماذا لا يكون (العدل) وليس التماثل (المساواة) هو الهدف الذي تحاول أن تسعى إليه أية اتفاقية في مجال المرأة، والعدل يقوم على المساواة بينهما فيما اتفقا فيه، ويخالف بينهما فيما اختلفا فيه، ويقنن لكل وضع بحسبه، وليس بحسب ما تفرضه رؤية التماثل التام.

    * * *


     

    المادة (5)

    وهي خاصة بتغيير الأنماط الاجتماعية الفطرية لدور كل من الرجل والمرأة:

    (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتحقيق ما يلي:

    (أ) تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة؛ بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية، وكل الممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية، أو تفوق أحد الجنسين، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة.

    (ب) كفالة أن تتضمن التربية الأسرية فهمًا سليمًا للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية، والاعتراف بالمسئولية المشتركة لكل من الرجال والنساء في تنشئة أطفالهم وتطورهم).

    الملاحظات:

    أ - تمثل هذه المادة أحد أهم أهداف اتفاقية السيداو؛ لأنها تنصب على تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية، وهو ما تهدف الاتفاقية إلى تحقيقه في سنوات معدودة، وهي لا تفسر ماهية الأدوار النمطية([3])، وإن كانت تعني أنه ليست هناك أنماط خاصة للنساء باعتبارهن نساء، وليست هناك أنماط خاصة للرجال باعتبارهم رجالاً، ومن ثَمَّ فهناك إمكانية واسعة لتبادل الأدوار، واعتبار الأدوار (محايدة)، أي غير مرتبطة بجنس، بل ووصف دور المرأة في الأسرة كزوجة وأم، ودور الرجل كقائد للأسرة، ومسئول عن رعايتها وحمايتها، والإنفاق عليها بالأنماط الجامدة، وهذا المعنى وثيق الصلة بمفهوم النوع الاجتماعي Social Gender، أي أن الرجل ليس رجلاً لأنه خُلق كذلك، وأن المرأة ليست امرأة لأنها خُلقت كذلك؛ بل لأن التنشئة الاجتماعية هي التي تجعل ذلك رجلاً، وتلك امرأة.

    وهو ما عبرت عنه سيمون دي بوفوار: «لا يولد المرء امرأة، بل يُصيّر كذلك..، إن سلوك المرأة لا تفرضه عليها هرموناتها، ولا تكوين دماغها، بل هو نتيجة وضعها»([4]).

    وتقول أخرى: «إنه ليس هناك ما يُسمَّى بطبيعة المرأة، فهذه الطبيعة يشكلها المجتمع مثل القوانين والشرائع والقيم الأخلاقية (أنا أكون ما أنا) ([5]).

    ب- ولاستكمال تلك المنظومة اعتبرت الاتفاقية أن الأمومة ليست دورًا لصيقًا بالمرأة اقتضاه تكوينها البيولوجي والنفسي، بل هي وظيفة اجتماعية يمكن أن يقوم بها أي إنسان آخر، لذا نادى تفسير الأمم المتحدة للاتفاقية بضرورة وضع نظام إجازة آباء لرعاية الطفل.

    وهذه كلها مفاهيم مغلوطة، وغير حقيقية، وتتنافى مع الطبيعة التكوينية الخلقية لكل من الرجل والمرأة، التي يستحيل تغييرها أو تجاهلها.

    وفي هذا الإطار، تؤكد هذه (الرؤية النقدية) أن تمايز كل من الرجل والمرأة بخصائص وملكات، وقدرات بدنية ونفسية معينة لا تجعل أحدهما أعلى شأنًا من الآخر، ولكنه منوط بصلاحيته لأداء وظائف حياتية وحيوية معينة لا يستطيع الآخر القيام بها، وهي سنة الله في البشر كافة، حتى بين الرجال وبعضهم، والنساء وبعضهن.

    المادة (6)

    وهي خاصة بالاتجار بالمرأة وعملها بالدعارة:

    (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة، واستغلال دعارة المرأة).

    الملاحظات:

    هذه المادة تكرِّس خلاصة فكر الحركة الأنثوية الراديكالية Radical Feminism، التي  رفعت شعار «My Body is My Own»، أي حق المرأة الكامل في التحكم في جسدها، فقد طالبت المادة (6) بمكافحة (استغلال) دعارة المرأة، والاتجار بها، وليس مكافحة الدعارة ذاتها، بمعنى أن عملها في الدعارة لحساب نفسها يدخل ضمن نطاق تحكمها في جسدها، أما إذا استغل آخرون هذا العمل لحسابهم، فإن هذا هو ما طالبت الاتفاقية بسن التشريعات لمكافحته.

    وكان أجدر بالاتفاقية أن تطالب الحكومات بمنع كل ما يعرض المرأة للامتهان، سواء كان بإرادتها أو رغمًا عنها، وهذا ما حرصت عليه الشريعة الإسلامية، حيث عملت على توفير سبل العيش الكريم للمرأة، إلى حد إلزام أدنى أقاربها بالإنفاق عليها إذا لم يكن لها مال، كما فرضت عليها ستر جسدها صيانة لها.

    المادة (7)

    وهي خاصة بالتساوي المطلق بين الرجل والمرأة في المشاركة السياسية:

    (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية العامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة- على قدم المساواة مع الرجل- الحق في:

    (أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، وأهلية الانتخاب لجميع الهيئات التي يُنتخَب أعضاؤها بالاقتراع العام.

    (ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة، وتنفيذ هذه السياسة، وفي شغل الوظائف العامة، وتأدية جميع المهام العامة على جميع المستويات الحكومية.

    (جـ) المشاركة في جميع المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي تُعنى بالحياة العامة والسياسية للبلد).

    الملاحظات:

    تتناول هذه المادة ببنودها المختلفة قضايا المرأة على مستوى المشاركة السياسية في جميع المستويات (ناخبة ومنتخبة، وتعيينًا في المناصب العامة، واشتراكًا في المنظمات الطوعية).

    وليس في نصوص الشريعة الإسلامية أو مقاصدها الكلية ما يحول بين المرأة وبين هذه الأعمال؛ بل إن كثيرًا من العلماء يرى أن قيام المرأة المسلمة بواجب الأمانة، وعبء الاستخلاف يفرض عليها وجوبًا عينيًّا الاشتراك في عملية الإصلاح العام، وأن قيامها بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يفرض عليها الدعوة للإصلاح، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والمرأة المسلمة ناخبة تقوم بواجب الشهادة، ومنتخَبة تقوم بواجب الإصلاح، ومسئولة في مواقع المسئولية تقوم بواجب الاستخلاف ما التزمت أوامر الله، والنصح لدينه، وذلك هو مقتضى قول الله تعالى: ﴿والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ﴾ [التوبة: 71]، كما هو مقتضى قول النبي ﷺ: «النساء شقائق الرجال».

    ولقد قال عبد الرحمن بن عوف- عقب استشهاد عمر بن الخطاب، في سعيه لاختيار خليفة للمسلمين من الستة الذين رشحهم عمر: «والله ما تركت ذا رأي من رجل ولا صاحبة فضل إلا أخذت رأيه» .

    وإجمالاً، فإن مبادئ الإسلام (نصوصه وقواعده العامة وروحه) تتفق مع مطالبة الحكومات بإيجاد الضمانات للنساء ليمارسن- على قدم المساواة مع الرجال- العمل السياسي: ترشيحًا وانتخابًا ورسمًا للسياسة، وتنفيذًا لها، والمشاركة في المنظمات والجمعيات غير الحكومية.

    المادة (8)

    وهي خاصة بالتساوي المطلق بين الرجل والمرأة سياسيًّا على المستوى الدولي:

    (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للمرأة -على قدم المساواة مع الرجل ودون أي تمييز- فرصة تمثيل حكومتها على المستوى الدولي، والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية).

    الملاحظات:

    تعالج هذه المادة مشاركة المرأة السياسية على المستوى الدولي، ولا تحظر الشريعة الإسلامية هذا الدور على المرأة، شريطة الالتزام بآدابها، والتوازن بين متطلبات العمل  وحقوق الزوج والأولاد، حيث تقوم فلسفة الشريعة الإسلامية في ميدان الحقوق والواجبات على التوازن والعدل.

    * * *

    المادة (9)

    وهي خاصة بالجنسية:

    1- تمنح الدول الأطراف المرأة حقًّا مساويًا لحق الرجل في اكتساب جنسيتها، أو الاحتفاظ بها، أو تغييرها، وتضمن بوجه خاص ألاّ يترتب على الزواج بأجنبي، أو تغيير جنسية الزوج أثناء الزواج أن تتغير تلقائيًّا جنسية الزوجة، أو أن تصبح بلا جنسية، أو تفرض عليها جنسية الزوج.

    2- تمنح الدول الأطراف المرأة حقًّا مساويًا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها).

    الملاحظات:

    تقوم الشريعة الإسلامية في قضايا الجنسية على مفهوم الأمة الإسلامية؛ وذلك لأن الشريعة قد استقرت قبل ميلاد الدولة القُطْرية Nation state التي قامت على معيار الجنسية، ومن ثَمَّ فالرجل والمرأة سواء في قضايا الجنسية، مع مراعاة مصلحة الأطفال والمصلحة العامة، أخذًا في الاعتبار الأمن القومي للبلاد.

    * **

     

    المادة (10)

    وهي خاصة بالتساوي المطلق بين الرجل والمرأة في ميدان التعليم:

      (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة؛ لكى تكفل للمرأة حقوقًا مساوية لحقوق الرجل في ميدان التعليم، وبوجه خاص لكي تكفل- على أساس تساوي الرجل والمرأة:

    (أ) نفس الظروف للتوجيه الوظيفي والمهني، وللوصول إلى الدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية في جميع الفئات، في المناطق الريفية والحضرية على السواء، وتكون هذه المساواة مكفولة في المرحلة السابقة للالتحاق بالمدرسة، وفي التعليم العام والتقني والمهني، والتعليم التقني العالي، وكذلك في جميع أنواع التدريب المهني.

    (ب) توفر نفسَ المناهج الدراسية، ونفس الامتحانات، وهيئاتٍ تدريسية تتمتع بمؤهلات من نفس المستوى، ومبانيَ ومعدات مدرسية من نفس النوعية.

    (ج) القضاء على أي مفهوم عن دور الرجل ودور المرأة على جميع مستويات التعليم، وفي جميع أشكاله، عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم التي تساعد في تحقيق هذا الهدف، ولا سيما عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية، وتكييف أساليب التعليم.

    (د) نفس الفرص للاستفادة من الِمَنح التعليمية وغيرها من المنح الدراسية.

    (هـ) نفس الفرص للوصول إلى برامج التعليم المتواصل، بما في ذلك برامج تعليم الكبار، ومحو الأمية الوظيفية، ولا سيما التي تهدف إلى أن تُضَيِّق في أقرب وقت ممكن أية فجوة في التعليم قائمة بين الرجل والمرأة.

    (و) خفض معدلات ترك المدرسة قبل الأوان بين الطالبات، وتنظيم برامج للفتيات والنساء اللائي تركن المدرسة قبل الأوان.

    (ز) نفس الفرص للمشاركة النشطة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية.

    (ح) الوصول إلى معلومات تعليمية محددة سهل الوصول إليها؛ للمساعدة في ضمان صحة الأسر ورفاهتها، بما في ذلك المعلومات والنصح عن تخطيط الأسرة).

    الملاحظات:

    تقبل هذه (الرؤية النقدية) ما تراه صحيحًا في هذه المادة، وهو حق التعليم، إلا أنها- أي الرؤية النقدية- انطلاقًا من مبادئ الإسلام العامة، وقواعده الكلية، لا تراه مجرد (حق)، بل هو (واجب) أيضًا، وشتان ما بين الأمرين، فالحق: هو إمكانية أو ميزة، لصاحبها التخلي عنها طواعية واختيارًا إن شاء، أما الواجب: فهو التزام ينبغي القيام به، كما أن هذه الرؤية تقبل كل ما من شأنه أن يوفر ظروفًا أفضل لقيام المرأة بهذا الواجب، وتقبل كل ما من شأنه أن يفتح لها آفاق المعرفة وتواصلها، وحتى لو اضطرت- لسبب أو لآخر- إلى أن تترك مقاعد الدراسة، فعلى المجتمع أن يوفر لها إمكانيات العودة لمواصلة أداء ذلك الواجب، مثل: برامج تعليم الكبار، وبرامج محو الأمية، كما أنها تقبل وتدعم كل ما من شأنه أن يخفض كذلك معدلات ترك المدرسة.

    كما ترى الرؤية- انطلاقًا من السياسة الشرعية التي ترعى مصلحة الأمة، وإحسان أداء الحقوق والواجبات، وتحقيقًا لقول الرسول ﷺ: «والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها» [متفق عليه]- أن إحسان أداء هذا الواجب يقتضي أن تتاح لها دراسة عدد من المواد الدراسية المتعلقة بهذا الواجب الحيوي والهام من حياتها، إلى جانب المواد الدراسية العامة.

    كما أن هذه (الرؤية النقدية) ترى أن الحث على تعليم المرأة لا يعني ضرورة توظيفها، فالعمل الوظيفي ليس واجبًا على المرأة؛ فالإنفاق مسئولية الرجل وحده، وإنما تعليم المرأة ضروري كي يكون العلم معينًا لها على أداء وظيفتها الفطرية في تربية النشء، والمشاركة الفعالة التطوعية لخدمة المجتمع.

    وفي حال اضطرارها للعمل لحاجتها للمال، أو حاجة المجتمع إليها، فمن العدل أن تتاح لها نفس الفرص الوظيفية المتاحة للرجل إذا ما تساويا في المؤهلات والكفاءة، شريطة توفير الظروف المناسبة، وضمان عدم تعرضها لأعمال شاقة، أو عمل ليلي يعرضها للخطر.

    ومن العدل أيضًا أن تتاح لها نفس الفرص في الحصول على الدرجات العلمية الأعلى كلما حازت مؤهلاتها، واستكملت شروطها.

    ولها الحق أيضًا في تلقِّي المنح التعليمية، وفي حالة السفر تُوفَّر لها الشروط التي تجعل سفرها متوافقًا مع الشريعة، مثل توفير الرفقة الآمنة، أو صُحبة محرم، وعدم الخلوة مع أجنبي عنها (أي شخص يجوز له الزواج منها).

    ولكن الرؤية تعترض على اشتمال البنود (أ، ب) من المادة (10)، التي تساوي بين الإناث والذكور في التدريب الحرفي والمهني والتقني، وتأهيل النساء للقيام بالأعمال الصناعية الشاقة، التي تتطلب قوة في العضلات، كما تعرّض الحامل وجنينها للأخطار، فقد حرص الإسلام على الإبقاء على أنوثة المرأة، ورجولة الرجل، ومن ذلك تحريم الإسلام تشبُّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.

    وفي البند (ج) تعترض الرؤية على ما يلي:

    أولاً- أن المطالبة بـ «القضاء على أي مفهوم عن دور الرجل ودور المرأة على جميع مستويات التعليم، وفي جميع أشكاله»، ما هي إلا آلية من آليات إدماج منظور الجندر في التعليم([6]).

    والرؤية تطالب- على العكس- بألاَّ تغفل كتب الدراسة، والبرامج المدرسية والأنشطة، كافة الفوارق التي أقرتها الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة، وما يترتب على تلك الفوارق من تباين في أدوار كل منهما.

    ثانيًا- المطالبة بـ «تشجيع التعليم المختلط» لا سيما في مرحلة المراهقة؛ فقد أثبتت الأدلة العلمية والعملية مضار الاختلاط في تلك السن الحرجة، وقد تنبه الكثيرون في الغرب إلى الآثار السلبية للاختلاط على العملية التعليمية، لذا بدأت كثير من المدارس في الولايات المتحدة- على سبيل المثال- في التحول إلى مدارس غير مختلطة، وبالفعل بدأ طلاب تلك المدارس في تحقيق نتائج أفضل من طلاب المدارس المختلطة.

    كما تعترض (الرؤية)- أشد الاعتراض- على عموم البند (ح)، وترى تقييده بقيود تربوية وعلمية وعمرية، فالمعلومات الخاصة بتنظيم الأسرة يجب قصرها على المتزوجين أو المقبلين على الزواج، ولا داعي مطلقًا لتدريسها للأطفال والمراهقين في المدارس؛ لما لذلك من أثر معلوم في إثارة الفضول، وإثارة الغرائز قبل أوانها، ومحاولة تجريب ما تم تدريسه، وهو ما تعاني منه الآن المجتمعات الغربية، والتي قطعت شوطًا في إدماج هذه المعلومات في المناهج الدراسية.

    تنادي المادة 10 (ز) بنفس الفرص للرجل والمرأة- على أساس المساواة- في المشاركة النشطة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية.

    ولا شك في أهمية الرياضة للذكور والإناث على حدٍّ سواء، وأنه لا بد من توفيرها للجنسين، على أن تكون للنساء ميادين رياضية خاصة بهن لا يسمح فيها بالاختلاط بين الجنسين، وأن تكون أنواع الرياضة مناسبة للنساء، ولا تؤدي إلى تحويلهن إلى جنس ثالث بارز العضلات، لا هو بذكر ولا أنثى: كالمصارعة والملاكمة.. وألا ترتدي فيها النساء أزياء غير شرعية.

    المادة (11)

    وهي خاصة بإسهام المرأة في ميدان العمل:  

    (1- تتخذ الدول الأطراف جميع ما يقتضي الحال اتخاذه من تدابير؛ للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل، لكي تكفل لها- على أساس تساوي الرجل والمرأة- نفس الحقوق ولا سيما:

    (أ) الحق في العمل بوصفه حقًّا غير قابل للتصرف لكل البشر.

    (ب) الحق في التمتع بنفس فرص التوظيف، بما في ذلك تطبيق معايير الاختيار نفسها في شئون التوظيف.

    (ج) الحق في حرية اختيار المهنة والعمل، والحق في الترقي والأمن الوظيفي، وفي جميع مزايا وشروط الخدمة، والحق في تلقي التدريب، وإعادة التدريب المهني، بما في ذلك التلمذة الصناعية، والتدريب المهني المتقدم، والتدريب المتكرر.

    (د) الحق في المساواة في الأجر، بما في ذلك الاستحقاقات، والحق في المساواة في المعاملة فيما يتعلق بالعمل المتعادل القيمة، وكذلك المساواة في المعاملة في تقييم نوعية العمل.

    (هـ) الحق في الضمان الاجتماعي، ولا سيما في حالات التقاعد والبطالة، والمرض والعجز والشيخوخة، وأي شكل آخر من أشكال عدم القدرة على العمل، وكذلك الحق في إجازة مدفوعة الأجر.

    (و) الحق في الوقاية الصحية وسلامة ظروف العمل، بما في ذلك حماية وظيفة الإنجاب.

    2- توخيًا لمنع التمييز ضد المرأة بسبب الزواج أو الأمومة، ولضمان حقها الفعلي في العمل، تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة:

    (أ) لحظر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأمومة، والتمييز في الفصل من العمل على أساس الحالة الزوجية، مع فرض جزاءات على المخالفين.

    (ب) لإدخال نظام إجازة الأمومة المدفوعة الأجر، أو مع التمتع بمزايا اجتماعية مماثلة، دون أن تفقد المرأة الوظيفة التي تشغلها، أو أقدميتها، أو العلاوات الاجتماعية.

    (جـ) لتشجيع توفير ما يلزم من الخدمات الاجتماعية المساندة؛ لتمكين الوالدين من الجمع بين التزاماتهما الأسرية، وبين مسئوليات العمل، والمشاركة في الحياة العامة، ولا سيما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال.

    (د) لتوفير حماية خاصة للمرأة أثناء فترة الحمل في الأعمال التي يثبت أنها مؤذية لها.

    3- يجب أن تُستعرَض التشريعات الوقائية المتصلة بالمسائل المشمولة بهذه المادة استعراضًا دوريًّا، في ضوء المعرفة العلمية والتكنولوجية، وأن يتم تنقيحها أو إلغاؤها، أو توسيع نطاقها، حسب الاقتضاء).

    الملاحظات:

    تعبر هذه المادة عن الفلسفة الكامنة في الاتفاقية حول مفهوم العمل وميدانه، فالاتفاقية تستبطن الحديث عن امرأة وحيدة متفردة، لا شأن لها بما حولها من أسرة أو مجتمع، هذه المرأة لا عائل لها إذا بلغت سن الرشد، وليس أمامها إلا أن تعول نفسها.

    كما أن الاتفاقية لا تنظر بكبير احترام للمرأة التي لا تعمل خارج منـزلها عملاً مأجورًا Paid Role، وهنا تأتي قضية توصيف العمل باعتباره العمل الذي تتلقى عليه المرأة أجرًا محددًا، ويتم في رقعة الحياة العامة (أي خارج المنـزل).

    أما قيام المرأة بوظيفة الأمومة، وتربية الأبناء، والجهد المنـزلي الكبير الذي تؤديه المرأة داخل جدران منـزلها، فهو ليس عملاً طبقًا لهذا التعريف.

    أما وجهة نظر الشريعة الإسلامية في عمل المرأة، فهي أن:

    الإنفاق على المرأة المسلمة يقع على عاتق الرجل زوجًا وأبًا وأخًا، وإذا كان العمل بالنسبة للرجل في الإسلام واجبًا (وفرض عين)، فإن العمل خارج المنزل بالنسبة للمرأة (مباح) وغير مفروض، ولها مطلق الحرية في أن تعمل أو لا تعمل، وإذا ما اشتدت الحاجة لعملها- لضرورة لديها، أو لحاجة المجتمع إلى عملها- يشترط الإسلام في هذا العمل أن يكون مناسبًا لطبيعتها كأنثى، فلا يخرجها عن خصائصها، وألاّ يعرض كرامتها للابتذال، وألا يستغرق جلّ وقتها، فيكون على حساب أسرتها وأطفالها، وأن تلتزم فيه بالاحتشام وآداب الإسلام.

    وتتفق المادة (11) في كثير من بنودها مع ما تنادي به الشريعة الإسلامية، مثل الحق في الضمان الاجتماعي، والحق في الوقاية الصحية، وسلامة ظروف العمل، والسعي لتوفير أجواء صالحة لعمل المرأة.

    المادة (12)

    وهي خاصة برعاية المرأة صحيًّا:

    (1- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية، من أجل أن تضمن لها- على أساس تساوي الرجل والمرأة- الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتخطيط الأسرة.

    2- بالرغم من أحكام الفقرة (1) من هذه المادة، تكفل الدول الأطراف للمرأة الخدمات المناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة، وفترة ما بعد الولادة، وتوفر لها الخدمات المجانية عند الاقتضاء، وكذلك التغذية الكافية أثناء الحمل والرضاعة).

    الملاحظات:

    تتحفظ (الرؤية النقدية) على حصول الرجال والنساء غير المتزوجين على خدمات تنظيم الأسرة، وإقرار ذلك يعني إقرار حق الممارسة الجنسية لغير المتزوجين.

    ولقد جاء تنظيم الأسرة في أربع مواد من الاتفاقية، مما يدل على محورية هذه القضية في أذهان واضعيها.

    فكما رأينا سابقًا في البند (ح)، من المادة (10) المطالبة بإدخال معلومات تنظيم الأسرة في مناهج التعليم، كذلك تنادي المادة (12) في البند (أ) الخاص بالصحة، بضرورة توفير خدمات تنظيم الأسرة ضمن الخدمات الصحية، إذ جاء في تفسير لجنة المرأة بالأمم المتحدة لهذه المادة ما يلي:

    «تعتبر قدرة المرأة على التحكم في خصوبتها أمرًا أساسيًّا لتمتعها بكامل مجموعة حقوق الإنسان، ويتعين بذلك على الدول الأطراف أن توفر لها المعلومات والتوعية بأساليب تنظيم الأسرة المناسبة، والمُعتمدة طبيًّا، وتكون القوانين المتصلة بتقييد حصول المرأة أو استخدامها لها- على سبيل المثال: اشتراط الحصول على إذن سابق من الزوج أو القريب كشرط أساسي لتقديم الخدمات- منافية لهذه المادة، ويجب بالتالي تعديلها، وعلى الدول الأطراف أن تتأكد أن العاملين في مجال الطب، وكذلك المجتمع على علم بأن مثل هذا الإذن غير مطلوب، وبأن مثل هذه الممارسة منافية لحقوق المرأة»([7]).

    المادة (13)

    وهي خاصة بالتساوي المطلق بين الرجل والمرأة في الجوانب المالية والثقافية والرياضية:

    (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في المجالات الأخرى للحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ لكي تكفل لها- على أساس تساوي الرجل والمرأة- نفس الحقوق ولا سيما:

    (أ) الحق في الاستحقاقات الأسرية.

    (ب) الحق في الحصول على القروض المصرفية، والرهون العقارية، وغير ذلك من أشكال الائتمان المالي.

    (ج) الحق في الاشتراك في الأنشطة الترويحية، والألعاب الرياضية، وفي جميع جوانب الحياة الثقافية).

    الملاحظات:

    تتعلق هذه المادة بثلاثة مجالات:

    المجال الأول: عائلي، وبينته المادة (16)، وهي الخاصة بالأحوال الشخصية، والتعليق على هذا المجال سيرد لاحقًا في التعليق على المادة (16).

    إلا أنه يحسن بنا الوقوف- قليلاً- عند البند (أ) الخاص بالاستحقاقات الأسرية، وهو ما يشمل قضية الميراث والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة فيه، وما يُثار حول الشريعة الإسلامية من أنها تعطي الرجل- في بعض الحالات- ضعف المرأة، والباحث المنصف في أحكام وقواعد الميراث يتبين له أن أنصبة الميراث لا يتحكم في توزيعها بين المستحقين عامل الذكورة والأنوثة، بل ثلاثة عوامل- كما يقول د. محمد عمارة:

    1- درجة القرابة بين الوارث- ذكرًا أو أنثى- وبين الموَرَّث (المتوفى)، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث.

    2- موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال، فالأجيال التي تستقبل الحياة عادةً يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين، فالبنت ترث أكثر من الأم- وكلتاهما أنثى- بل وترث أكثر من الأب، والابن يرث أكثر من الأب- وكلاهما من الذكور.

    3- العبء المالي الذي يوجبه الشرع على الرجل دون المرأة، فإن العدل يستوجب تفاوتًا بينهما في قوله تعالى:  ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]؛ لأن الذكر الوارث هنا- في حالة تساوي درجة القرابة والجيل- مكلف بإعالة زوجة أنثى، بينما الأنثى- الوارثة- إعالتها فريضة على الذكر المقترن بها، وحالات هذا التميز محدودة جدًّا إذا ما قيست بعدد حالات المواريث.

    ولعل ذلك يحيلنا على قاعدة أخرى تحكم أنصبة المواريث، وهو أن حق المرأة في الميراث لا يمكن فهمه إلا في ضوء الموازنة العادلة بين الحقوق والواجبات المالية التي تقررها الشريعة على كل من الرجل والمرأة.

    فالإسلام يلزم الرجل بالإنفاق على المرأة: زوجة، وكذلك يلزمه بالإنفاق على البنت والأم والأخت عند حاجتهن، ولا يُلزم الزوجة بالإنفاق على نفسها أو أسرتها ولو كانت غنية، فجميع ما تملك من أموال لها وحدها، وهي غير مكلَّفة أو ملزمة بالإنفاق على أحد، إلا في حدود ضيقة جدًّا، والرجل وحدَه مكلَّف وملزَم بالإنفاق على بيته، وتتسع دائرة إنفاقه على أقاربه شرطَ يَساره وحاجتهم.

    المجال الثاني: الاقتصادي، وتحكمه قواعد المجال الخاص به، والمرأة كالرجل فيه سواء، فكلاهما ذو ذمة مالية مستقلة تمامًا عن ذمة الآخر، ولو كانا زوجين.

    المجال الثالث: الترويحي والرياضي والثقافي، وليس ثمة اعتراض على هذه الأمور بذاتها، بل الاعتراض على طريقة وظروف أدائها، لذا تدعو هذه (الرؤية النقدية) الدول الإسلامية الأطراف إلى توفير شروط أداء هذا المجال أمام النساء، بما يحفظ حياءهن وعفافهن، وأن تكون الرياضة مناسبة للمرأة، وتتلاءم مع طبيعتها الأنثوية، وكذلك الترويح لابد أن يخلو من كل ما يتعارض مع مبادئ الإسلام.

    المادة (14)

    وهي خاصة بالمرأة الريفية:

    (1- تضع الدول الأطراف في اعتبارها المشكلات الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية، والأدوار الهامة التي تؤديها في تأمين أسباب البقاء اقتصاديًّا لأسرتها، بما في ذلك عملها في قطاعات الاقتصاد غير النقدية، وتتخذ جميع التدابير المناسبة لضمان تطبيق أحكام هذه الاتفاقية على المرأة في المناطق الريفية.

    2- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في المناطق الريفية، لكي تكفل لها- على أساس التساوي مع الرجل- المشاركة في التنمية الريفية، والاستفادة منها، وتكفل للمرأة بوجه خاص الحق في:

    (أ) المشاركة في وضع وتنفيذ التخطيط الإنمائي على جميع المستويات.

    (ب) نيل تسهيلات العناية الصحية الملائمة، بما في ذلك المعلومات والنصائح والخدمات المتعلقة بتخطيط الأسرة.

    (ج) الاستفادة بصورة مباشرة من برامج الضمان الاجتماعي.

    (د) الحصول على جميع أنواع التدريب والتعليم، الرسمي وغير الرسمي، بما في ذلك ما يتصل منه بمحو الأمية الوظيفية، والحصول كذلك في جملة أمور على فوائد كافة الخدمات المجتمعية والإرشادية، وذلك لتحقق زيادة كفاءتها التقنية.

    (هـ) تنظيم جماعات المساعدة الذاتية والتعاونيات، من أجل الحصول على فرص اقتصادية متكافئة، عن طريق العمل لدى الغير، أو العمل لحسابهن الخاص.

    (و) المشاركة في جميع الأنشطة المجتمعية.

    (ز) فرصة الحصول على الائتمانات والقروض الزراعية، وتسهيلات التسويق، والتكنولوجيا المناسبة، والمساواة في المعاملة في مشاريع إصلاح الأراضي والإصلاح الزراعي، وكذلك في مشاريع التوطين الريفي.

    (ح) التمتع بظروف معيشية ملائمة، ولا سيما فيما يتعلق بالإسكان والإصحاح، والإمداد بالكهرباء والماء والنقل والاتصالات).

    الملاحظات:

    تطالب هذه المادة بإشراك المرأة الريفية بصورة مساوية في التخطيط الإنمائي وتنفيذه على كل مستوياته، وتدريب نساء الريف على جميع أنواع التدريب المتاحة لزيادة كفاءتهن التقنية، وتنظيم تعاونيات لهن، وإشراكهن في جميع أنشطة المجتمع، ومنحهن القروض والائتمانات والمشروعات الزراعية والتكنولوجية.

    وقد جاء في تفسير لجنة السيداو الدولية لهذه المادة:

    «ينبغي للدول الأطراف أن توفر لنساء الريف فرصة للخروج عن أدوارهن التقليدية، واختيار أساليب مختلفة للحياة، بتوفير برامج التدريب والقروض والتسويق في المجال الزراعي»([8]).

    وتعترض (الرؤية) على أمرين:

    الأمر الأول: تركيز هذه المادة على شغل المرأة الريفية بالعمل المأجور خارج البيت، وتغليبه على الدور الأساس والرئيس للمرأة، ألا وهو الأمومة ومسئولياتها، والتي وصفها (التفسير) بالأدوارالتقليدية، والتي يدعو لإخراج النساء منها بمنحهن القروض والائتمان الزراعي والمشروعات الزراعية.

    فعمل المرأة الريفية أغلب ساعات النهار في خدمة أسرتها، ورعاية منزلها لا يعد عملاً في نظر الاتفاقية، لحصر مفهوم العمل في: العمل في رقعة الحياة العامة مقابل أجر، وعمل المرأة في قطاعات الاقتصاد غير النقدية يجعله لا يظهر في الأرقام النهائية للناتج الإجمالي القومي.

    في حين أن عمل الزوجة الريفية مع زوجها داخل أو خارج بيتها يساعد على تنمية أسرتها، ومن ثم تنمية مجتمعها، حتى ولو لم يظهر في الأرقام النهائية للناتج الإجمالي القومي، مثلما يظهر عملها بأجر خارج نطاق بيتها وأسرتها.

    الأمر الثاني: ويتعلق بالدعوة لتوفير خدمات تنظيم الأسرة، حيث تعترض الرؤية على ما يلي:

    أولاً: مطالبة البند بتقديم تلك الخدمات (والتي تشمل وسائل منع الحمل والإجهاض) للمرأة في المناطق الريفية، بغض النظر عن كونها متزوجة أو غير متزوجة، وفي ذلك تشجيع للمراهقات على الإقدام على استخدام تلك الخدمات دون خوف من عواقب الحمل غير المشروع؛ لذا يجب اشتراط الزواج للحصول على خدمات تنظيم الأسرة، مع الالتزام بحكم الشرع في قضية الإجهاض([9]).

    ثانيًا: إن الترويج لتقديم موانع الحمل لا سيما في الريف- والمعروف أنه يمثل القوة الأكبر في التكاثر البشري- وتقنينها عبر الاتفاقية، وإلزام الدول الأطراف في الاتفاقية بتقديمها، يُعد وسيلة للحد من ذلك التكاثر البشري المتنامي في المجتمعات النامية، خاصة بعد أن نبّه علماء الإحصاء السكاني إلى خطورة تدني النمو السكاني في الغرب، في الوقت الذي تقابله زيادة مطردة في النمو السكاني في الدول النامية.

    وقد جاء في الورقة التي أعدها قسم النهوض بالمرأة DAW بالأمم المتحدة، وتم مناقشتها في اجتماع خبراء تنظيم الأسرة، الذي عقد في بانقلور بالهند عام 1992، ونشر موجزها في مجلة المرأة عام 2000، الصادرة عن قسم النهوض بالمرأة بالأمم المتحدة([10]): «برامج تنظيم الأسرة الحالية لا تؤدي دورًا فاعلاً في تقليل النمو السكاني، وأنه إذا أراد القائمون على هذه البرامج تقليل هذا النمو السكاني على المدى البعيد، فعليهم التركيز على تغيير دور المرأة الحالي في الأسرة والمجتمع، وعليهم الحرص على تعليمها وتوظيفها في أعمال مأجورة».

    المادة (15)

    وهي متعلقة بالمطالبة بالتساوي التام بين المرأة والرجل في الشئون القانونية:

    (1- تمنح الدول الأطراف المرأة المساواة مع الرجل أمام القانون.

    2- تمنح الدول الأطراف المرأة في الشئون المدنية أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، ونفس فرص ممارسة تلك الأهلية، وتكفل للمرأة- بوجه خاص- حقوقًا مساوية لحقوق الرجل في إبرام العقود، وإدارة الممتلكات، وتعاملها على قدم المساواة في جميع مراحل الإجراءات المتبعة في المحاكم والهيئات القضائية.

    3- توافق الدول الأطراف على اعتبار جميع العقود، وسائر أنواع الصكوك الخاصة التي لها أثر قانوني يستهدف تقييد الأهلية القانونية للمرأة، باطلة ولاغية.

    4- تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص، وحرية اختيار محل سُكناهم وإقامتهم).

    الملاحظات:

    تتعلق هذه المادة بمسألة أهلية المرأة في الشئون المدنية، وهى مشكلة غربية بالأساس، وليس بالضرورة أن يكون العالم على صورة الغرب، وفي حضارات بأكملها احتفظت النساء بالذمة المالية المستقلة، وبشخصيتها القانونية المستقلة عن أهلها وعن زوجها، ولم تعانِ نساءُ حضارات بأكملها من عدم أهليتهنّ المدنية في إدارة ممتلكاتهنّ.

    فالمرأة في الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا لها ذمة مالية مستقلة تمامًا عن ذمة الرجل، وأهلية كاملة لا تقل عن أهلية الرجل شيئًا، فلها حق تملك جميع أنواع الأموال من عقارات ومنقولات وأموال سائلة (نقود) كالرجل سواء بسواء، ولها حق التصرف بمختلف أنواع التصرفات المقررة شرعًا فيما تملكه، فلها أن تبيع وتشتري، وتقايض وتهب وتوصي، وتقرض وتقترض، وتشارك وتضارب، وتوقف وترهن وتؤجر.. إلى آخره، وتصرفاتها نافذة بإرادتها الذاتية، ولا يتوقف شيء من ذلك على رضا أب أو زوج أو أخ.

    إلا أن البند (4) من المادة (15) يستوقفنا لإبداء بعض التحفظات بشأنه:

    أولاً: باعتبار البند متعلقًا بحركة الأشخاص وانتقالهم، وهي قضية ربما تتماس مع قضية سفر المرأة المسلمة التي وضع الإسلام لها بعض الضوابط، وهي أن تسافر مع محرم، أو في رفقة آمنة بإذن زوجها، وذلك تحقيقًا لهدفين:

    - توفير الحماية والأمن للمرأة على نفسها.

    - والحفاظ على متانة العلاقة الأسرية وتماسكها، إذ توجب الشريعة على الزوج ألا يستخدم حق الإذن إلا لتحقيق مصلحة مشروعة للأسرة تعلو على مصلحة الزوجة في السفر، كما أن للزوجة أن تعترض على سفر الزوج إذا أصابها وأطفالها ضرر من سفره.

    ثانيًا: منـزل الزوجية، وعما إذا كان هو محل سكن الزوجة أم لا، وهي قضية تتصل باستقرار محل الزوجية، واعتباره سكنًا لكلا الزوجين، وهو أحد مترتبات عقد الزواج ضمنًا، ومن ثَمَّ فإن النص على حرية اختيار محل السكن ربما يوحي بحق المرأة في أن يكون لها سكن آخر غير محل سكن الزوجية، تقيم فيه استقلالاً دون الزوج، وهو الأمر الذي يخالف رأي الشريعة، والتي تقرر:

    أولاً- اعتبار مسكن الزوجية أثرًا من آثار عقد الزواج القائم على رضا الطرفين واختيارهما.

    ثانيًا- استقرار الحياة الاجتماعية الذي يفرض توحيد محل سكن الزوجية المشترك بين الزوجين.

    كما أن البند يخلو من الإشارة إلى كون المرأة زوجة، وبالتالي فهو يعطي للفتاة الحق في الاستقلال بالسكن بعيدًا عن الأبوين، الأمر الذي يُعرِّض الفتاة لخطر الضياع والانحراف.

    وأيضًا فإن سكن الزوجية هو سكن للمرأة، تشارك في اختياره والموافقة عليه سلفًا قبل الزواج، فضلاً عن أن الإسلام أوجب على الرجل أن يهيئ لها السكن المناسب، الذي يتفق مع مكانتها الاجتماعية والاقتصادية، ومع درجة يسار الزوج أو إعساره، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم [الطلاق: 6].

    أما في حالة أن يكون لكل منهما سكن آخر بالإضافة إلى سكن الزوجية، فيشترط ألا يُخِلَّ بالحقوق المشتركة المترتبة على عقد الزواج الإسلامي.

    * * *

    المادة (16)

    وهي خاصة بالتشريعات الأسرية:

    (1- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وبوجه خاص تضمن- على أساس تساوي الرجل والمرأة:

                          ‌أ-  نفس الحق في عقد الزواج.

                       ‌ب-  نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.

                        ‌ج-  نفس الحقوق والمسئوليات أثناء الزواج وعند فسخه.

             ‌د-    نفس الحقوق والمسئوليات كوالدة، بغض النظر عن حالتها الزوجية، في الأمور المتعلقة بأطفالها، وفي جميع الأحوال تكون مصالح الأطفال هي الراجحة.

             ‌ه-    نفس الحقوق في أن تقرر بحرية وبشعور من المسئولية عدد أطفالها، والفترة بين إنجاب طفل وآخر، وفي الحصول على المعلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.

             ‌و-   نفس الحقوق والمسئوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الأنشطة المؤسسية الاجتماعية حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي جميع الأحوال تكون مصالح الأطفال هي الراجحة.

                         ‌ز-       نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة، بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة، والمهنة، والوظيفة.

            ‌ح-   نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلق بملكية وحيازة الممتلكات، والإشراف عليها، وإدارتها، والتمتع بها، والتصرف فيها، سواء بلا مقابل، أو مقابل عوض ذي قيمة.

    2- لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية- بما فيها التشريع- لتحديد سن أدنى للزواج، ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرًا إلزاميًّا).

    الملاحظات:

    هذه المادة الخاصة بالأسرة تدعو إلى منح المرأة والرجل نفس الحقوق على قدم المساواة في عقد الزواج، وفي أثنائه، وعند فسخه، وكذلك في القوامة والولاية على الأبناء، وذلك يتعارض مع قاعدة ولي الزوجة عند عقد الزواج، ومع المهر، وقوامة الرجل على المرأة في الأسرة، وتعدد الزوجات، ومنع زواج المسلمة بغير المسلم، وأحكام الطلاق والعدة، وعدة الوفاة، وحضانة الأولاد، ففي كل تلك الأمور شرع الإسلام أحكامًا للمرأة تختلف عن مثيلاتها للرجل؛ لصيانتها، وحفظ حقوقها من الضياع.

    وهذه المادة من أخطر مواد الاتفاقية على الإطلاق، وهي تضم مجموعة بنود تعمل على مستوى (الأحوال الشخصية): زواج- طلاق- قوامة- وصاية- ولاية- حقوق وواجبات الزوجين- حقوق الأولاد، باختصار: كل ما يمس الأسرة كمؤسسة، ونظام قيم، ونمط حياة.

    كما أن هذه المادة تمثل نمط الحياة الغربي، وهي تتجاهل معتقدات شعوب العالم، ومنظوماتها القيمية، وأنساقها الإيمانية.

    ونوضح فيما يلي الرؤية الإسلامية حول كل بند من بنود المادة:

    الفقرة (1):

     بند (أ): الذي ينص على نفس الحق للرجل والمرأة في عقد الزواج، وهو ما يعني:

    ·    أن يسمح للمرأة المسلمة بالزواج من الكتابي من باب التساوي مع الرجل، الذي له الحق فى الزواج بكتابية، وفي ذلك مخالفة واضحة للشرع الإسلامي؛ فالرجل المسلم أُعطي هذا الحق- دون المرأة- لأن المسلم لن يمنع زوجته المختلفة معه ديانة من ممارسة شعائر دينها؛ لأنه يؤمن بالديانتين المسيحية واليهودية كجزء من عقيدته الإسلامية، أما الزوجة المسلمة فقد يعيقها زواجها بمن لا يؤمن بديانتها من ممارستها شعائر دينها بحرية، فلقوامة الرجل عليها تأثير في تقديرها للأمور، فقد يحملها على متابعته على دينه، أو بالأقل على هجر دينها، والزهادة في إقامة شعائره، وتنطبق نفس هذه المقولة على ما سيتمخض عنه هذا الزواج من الأولاد؛ لأنهم سينشئون في كنف أب غير مسلم، فإما أن يدعوهم إلى دينه، أو أن يزهدهم في الإسلام، وفي ذلك خسران الدنيا والآخرة!».

    ·    منع تعدد الزوجات، من باب التساوي بين الرجل والمرأة، والتي لا يسمح لها بالتعدد، وقد علقت لجنة السيداو بالأمم المتحدة على تقارير بعض الدول الإسلامية بشأن التعدد بما يلي: «كشفت تقارير الدول الأطراف عن وجود ممارسة تعدد الزوجات في عدد من الدول، وإن تعدد الزوجات يتعارض مع حقوق المرأة في المساواة بالرجل».. ويمكن أن تكون له نتائج انفعالية ومادية خطيرة على المرأة وعلى مَن تعول؛ ولذا فلا بد من منعه».

    وتستنكر اللجنة- في تعليقها- اتخاذ بعض الدول الإسلامية مرجعيات أخرى غير اتفاقية السيداو: «إن العديد من الدول تعتمد في حقوق الزوجين على تطبيق مبادئ القانون العام، أو القانون الديني أو العرفي بدلاً من الاتفاقية»([11]).

    ·        إلغاء العدة للمرأة (بعد الطلاق، أو وفاة الزوج) لتتساوى بالرجل الذي لا يعتد بعد الطلاق، أو وفاة الزوجة.

    ·   إلغاء الولاية، فكما أن الرجل لا ولي له، كذلك يرى البند- بموجب التساوي التام- ألاّ يكون هناك أي نوع من الولاية أو الوصاية على المرأة.

    ويأتي البند (ب) ليؤكد على إطلاق الحرية للبنت التي لم يسبق لها الزواج في اختيار من تشاء لتتزوجه، حتى دون موافقة وليها، وفي هذا إهدار شديد لحق الفتاة في الحماية والدعم الذي يقدمه لها وليها في بيت زوجها، فحين تتزوج الفتاة بدون رضا أسرتها، فإن هذا يفسح المجال للزوج الذي اختارته- وهو غير كفء لها في أغلب الأحوال- أن يعتدي عليها بالضرب أو الإهانة، وهو يعلم تمامًا أنها لن تجرؤ على الشكوى لأهلها الذين أغضبتهم من أجل هذا الزواج.

    فقرار الزواج هو محصلة توافق آراء بين البنت ووليها، الذي هو أكثر خبرة وتجربة منها ومعرفة بمصلحتها، وعليه تعود عواقب فشل الزواج؛ لذا يشترط أن يكون له رأي في إقرار الزواج، والبكر لا يصح تزويجها إلا بعد استئذانها، ولا يمكن بحال إجبارها على الزواج بأحد ترفضه، إذ ينظر الإسلام إلى الزواج بوصفه عقدًا يشترط لصحته أن يكون العاقد بالغًا راشدًا راضيًا بالعقد.

    فالحرص على موافقة الولي عند إجراء عقد الزواج مطلوب دينيًّا واجتماعيًّا، فالوليّ هو الأعلم بمصلحتها، وقد لا يكون عندها من الخبرة الاجتماعية ما يؤهلها للاستقلال باتخاذ القرار، لكن إن اقتضى الحال تزويج المرأة بدون وليٍّ لظروف استثنائية محدودة جدًّا، كتعذر إذنه عند فقدانه مثلاً، أو كعَضْلِه، فلا بأس من العمل بقول مَن لا يشترط الولي لابتداء العقد.

    البند (ج): الذي يطالب بإعطاء المرأة نفس الحقوق والمسئوليات أثناء الزواج وعند فسخه، يعني:

    ·   إلغاء القوامة، وتجاهل ما يفرضه الإسلام على الزوج من تقديم المهر للزوجة، وتأثيث منـزل الزوجية، وتكفُّل بالنفقة، وتحمل الخسائر كاملة إذا فصمت عُرَى الزوجية، من تأثيث منـزل للحاضنة، ومن متعة ونفقة وكفالة أبناء، في حين أن المرأة غير ملزمة بالإنفاق لا على نفسها، ولا على أسرتها، ولو فصمت عُرَى الزوجية، فليست عليها أي تبعات مادية، وفي حالة الخُلْعِ ليس عليها أكثر من رد ما أخذته مهرًا.

    ومن ثَمَّ، فإن اختلاف الالتزامات والواجبات ينتج عنه اختلاف المسئوليات والحقوق، ومن هنا تنشأ قوامة الرجل على زوجته في إطار الأسرة وشئونها وقراراتها، وينشأ حق المرأة في المشاورة، وأن تخرج قرارات الأسرة معبرة عن توافق وجهتي نظر الزوج والزوجة.

    البند (د): يفصل بين مسئولية الأم كوالدة ووضعها كزوجة، والشريعة الإسلامية مع اتفاقها مع هذا البند فيما يختص بالرعاية الإنسانية والصحية للأم والطفل، إلا أنها تضع أحكامًا خاصة بثبوت النسب وغير ذلك، في حالة ما إذا كان الحمل نتيجة زواج أم لا.

    ويأتي البندان (هـ) و (و) ليتجاهلا- مرة أخرى- وضع الأسرة كمؤسسة مكونة من زوجين، للزوج قوامة فيها (أي الأسرة) ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، كما أن له أيضًا الولاية على الصغار، رغم أن هذا لا يعني انفراد الزوج بتحديد القرارات دون رأي الزوجة، فالأمر شورى، ومحصلة توافق آراء، مع ترجيح رأي الزوج الذي لا يسيء استعمال حقوقه، أو يتعسف في استعمالها.

    كما أن البند (هـ) يعد انعكاسًا للفكر الأنثوي Feminism الذي ينادي بملكية المرأة لجسدها، حيث تعتبر الأنثويات Feminists أن جسد المرأة ملكٌ لها([12])«Your body is your own» ، ومن هذا المنطلق تطالب الاتفاقية بأن يكون قرار الإنجاب أو عدمه متروكًا تمامًا للمرأة، أخذًا في الاعتبار أن تلك الاتفاقيات لا يعنيها بالمرة كون المرأة متزوجة أم لا، وقد انتقد تقريرُ الحريات([13]) المملكةَ العربية السعودية لإعطائها الزوج حق مشاركة الزوجة في قرار الإنجاب، أو حتى قرار التعقيم([14]).

    البند (ز): الخاص بالتساوي في الحقوق الشخصية بما فيها اختيار اسم الأسرة والمهنة والوظيفة: فيما يخص إعطاء المرأة حق اختيار اسم عائلتها على قدم المساواة مع الرجل، فلدينا في هذا البند وجهان، الأول: هو أن هذه النظرة هي نظرة غربية تمامًا، حيث تنسب المرأة فور الزواج إلى عائلة الزوج، وهي غير موجودة في الإسلام، فالشريعة تقرر انتساب الزوجة نفسها إلى عائلتها، وليس إلى عائلة الزوج.

    والثاني: في حال تطبيق هذا البند- وهو ما تم بالفعل في بعض البلدان الغربية- فإن ذلك يعني أن يحمل الأبناء اسم الأم كما يحملون اسم الأب([15])، وفي هذا تعارض صريح مع الشريعة الإسلامية، التي لا تجيز نسبة الأولاد لغير آبائهم ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]، كما أن الابن لا يحمل اسم أمه إلا في حالة واحدة فقط، هي حالة الزنى؛ لتعير به الأم، فإذا ما صار قانونًا عامًّا، وأعطت كلُّ الأمهات أسماء أسرهن لأبنائهن، اختلط الحابل بالنابل، وضاعت الحكمة من نسب ابن الزِّنى لأمه، فالكل صار يحمل اسم الأم.

    البند (ح): هذا البند هو تعبير عن نموذج لتصدير المشكلات الاجتماعية الغربية للعالم، فبأثر من انتفاء الذمة المالية للزوجة في الغرب قرونًا طويلة، ظلت المرأة الغربية تناضل لاسترداد ذمتها المالية المستقلة، لذا يُنَص على هذا الحق في كل معاهدات واتفاقات وإعلانات حقوق الإنسان الخاصة بالمرأة، أما الشعوب والحضارات التي ظلت فيها النساء محتفظات بذمتهن المالية، فلا يشعرن بحاجة للدخول في معركة من هذا النوع.

     وتقبل هذه (الرؤية النقدية) هذا البند دفاعًا عن كل نساء العالم، وحقّهنّ في أن يسترددن ذمتهن المالية المستقلة أُسوة بالمرأة المسلمة التي كرّمها الله تعالى.

    الفقرة (2):

    في حين لا تعد الاتفاقية ممارسة العلاقة الجنسية خارج نطاق الزواج عنفًا ضد المرأة، بل على العكس تشجع عليه، وتعمل على تيسير تلك العلاقات المحرّمة، وتحفظ لها سريتها وخصوصيتها، كما تنص على رعاية المُراهِقة الحامل، وضرورة توفير كل خدمات الرعاية الصحية أثناء الوضع، وضمان توفير خدمات تنظيم النسل (بما فيها الإجهاض)، حتى تتعلم كيف تحمي نفسها من الحمل في المستقبل!؛ تعتبر الاتفاقية زواج الفتاة تحت سن الثامنة عشرة عنفًا ضدها!!

    في حين تحثّ الشريعة الإسلامية على التبكير بزواج الشباب درءًا لسقوطهم في مستنقع الشهوات، فعن عبد الله بن مَسعودٍ t أن رسول الله ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، والدارمي، واللفظ للبخاري].

    وعن أبي هُريْرةَt قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ؛ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» [حديث حسن، رواه الترمذي وابن ماجة].

    * * *

     

    الفصل الثالث: رؤية نقدية للبروتوكول الاختياري  الملحق باتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة

    ما هو البروتوكول الاختياري:

    البروتوكولات عادة تصدر بعد الاتفاقيات، إما لتلافي بعض الثغرات التي تظهر في الاتفاقيات بعد البدء في تطبيقها، أو لتبيان بعض جوانب تلك الاتفاقيات بشكل واضح وجليّ، أو لإضافة بعض الإجراءات الجديدة لها.

     ويسمي البروتوكول بالاختياري لأنه لا يلزم الدول الموقعة على الاتفاقية بالمصادقة عليه، أو الالتزام به.

    لماذا البروتوكول الاختياري للسيداو:

    لا توجد في اتفاقية (سيداو) آلية تسمح للنساء (أفرادًا ومجموعات) بتقديم الشكاوى بشكل مباشر إلى لجنة سيداو CEDAW Committee بالأمم المتحدة، وبالمثل لا توجد فيها آلية تمكن لجنة سيداو الدولية من تلقي أي شكاوى من النساء بشكل مباشر، والتحقيق فيها.. ومن هنا بدأت اللجنة في وضع بروتوكول يُوجِد مثل تلك الآليات.

    وبالفعل تم في عام 2000 وضع البروتوكول الاختياري Optional Protocol([16]) كملحق لاتفاقية السيداو، والذي يعطي النساء الحق في تجاوز الحكومات، والتقدم بشكاوى مباشرة إلى الأمم المتحدة.

    وبذلك يمنح لجنة سيداو صلاحية أكبر في إجبار الدول المصدقة على البروتوكول على تنفيذ الاتفاقية؛ تفاديًا للعقوبات التي يمكن أن توقع عليها إذا لم تلتزم التزامًا كاملاً بالتنفيذ([17])، حيث يعطي لجنة سيداو الحق في:

    ·        تلقي الشكاوى الفردية.

    ·        المعاينة الميدانية، والتحقيق في تلك الشكاوى.

    حيث نص البروتوكول على إجرائين يقيدان سلطة الدولة، ويلزمانها بالتنفيذ المحلي للاتفاقية وفقًا للمعايير الدولية، وهما:

    1)    إجراء المراسلات The Communications Procedure: والذي يعطي للنساء أفرادًا وجماعات الحق في تقديم الشكوى، ورفعها مباشرة إلى لجنة سيداو بشكل مكتوب.

    2)   إجراءات التحقيق The Inquiry Procedure: والذي من خلاله يمكن للجنة السيداو التحقيق في الشكاوى المقدمة إليها من النساء بشأن– ما تعده لجنة سيداو- أي إخلال بتطبيق الاتفاقية من قبل الحكومات.

    مواد البروتوكول: 

    ويتكون البروتوكول من 21 مادة يمكن شرحها فيما يلي:

    أولاً: لجنة السيداو الدولية هي الجهة المخولة باستلام الشكاوى (المادة الأولى).

    ثانيًا: يجوز لأفراد أو مجموعات خاضعين لدولة طرف في البروتوكول أن يقدموا شكاوى، سواء قدموها بأنفسهم، أو ناب عنهم من يقوم بذلك، ويمكن لمن ينوب أن يقدمها بدون موافقتهم إذا تمكن من تبرير تصرفه ذاك (المادة الثانية).

    ثالثًا: تكون الشكاوى مكتوبة، ومكتوب فيها الاسم، ولا تتسلم اللجنة أي شكوى تتعلق بدولة ليست طرفًا في البروتوكول وإن كانت طرفًا في الاتفاقية (المادة الثالثة).

    رابعًا: ستبدأ اللجنة بالنظر في الشكاوى بعد التأكد من استنفاد وسائل الانتصاف المحلية، أو في حال استغراق تطبيق وسائل الانتصاف الوطني أمدًا طويلاً، أو كان من غير المحتمل أن يحقق انتصافًا فعالاً (من منظور اتفاقية سيداو، ووفقًا لرؤية لجنة السيداو) (المادة الرابعة).

    خامسًا: قبل أن تتخذ اللجنة قرارها بشأن قبول الشكوى من عدمه، فقد أعطت نفسها الحق في إحالة الشكوى إلى الدولة الطرف، من إجل اتخاذ تدابير مؤقتة (إجراءات عاجلة) لصالح صاحبة الشكوى، لتفادي وقوع ما تعتبره اللجنة ضررًا لا يمكن إصلاحه، ثم يلي ذلك وجاهة موضوع الشكوى، وقبولها أو رفضها، وفقًا لما تقرره اللجنة (المادة الخامسة).

    ولتوضيح المقصود من البندين الرابع والخامس نضرب المثال التالي:

    إذا تم توريث سيدة مسلمة في دولة إسلامية، طرف في البروتوكول، نصف ميراث أخيها، وفقًا للشريعة الإسلامية، يعد ذلك «تمييزًا» من منظور اتفاقية سيداو، فإذا كانت هذه الدولة عضوًا في البروتوكول، يمكن لتلك السيدة أن تتقدم بشكوى إلى لجنة السيداو الدولية، حينها ستطلب اللجنة من الدولة اتخاذ إجراء عاجل، مثل: وقف توزيع الميراث، ثم يلي ذلك مطالبة الدولة بتعديل قانون المواريث، بحيث يسمح للنساء بتقاسم الميراث بالتساوي تمامًا، لتتحقق المساواة الكاملة، وفقًا للسيداو.

    سادسًا: تُسائِل لجنة سيداو الدولة الطرف، عن الشكوى المقدمة لها- مع المحافظة على السرية في كشف هوية مقدم أو مقدمي الشكوى إذا شاءوا- وعلى الدولة تقديم تفسير في غضون 6 أشهر لتلك المساءلة، ولا يُكتفى بالتفسير، وإنما عليها أن توضح سُبل الانتصاف التي اتخذتها (المادة السادسة).

    فإذا ما اشتكت امرأة مسلمة– على سبيل المثال- من عدم السماح لها بالزواج بغير مسلم، وهو ما يعدّ من منظور اتفاقية سيداو «تمييزًا على أساس الجندر»، ثم تقدمت المرأة بشكوى إلى لجنة سيداو، فإنه يتوجب على الدولة أن تقدم تفسيرًا لهذا المنع، كما عليها أن توضح الإجراءات والتدابير التي ستتخذها– أو اتخذتها- لرفع ذلك «التمييز»، ومن ثم السماح لتلك المرأة بالزواج بغير مسلم!.

    سابعًا: يعطي البروتوكول اللجنة الدولية الحق في الحصول على كافة المعلومات، سواء من مصادرها الرسمية (الدولة الطرف المعنية)، أو من مصادر غير رسمية (أفراد أو مجموعات)، أو من ينوب عنهم، ثم تعقد اللجنة جلسات مغلقة لدراسة الشكاوى، ثم تقدم آراءها بشأن الشكوى وتوصياتها، إن وجدت، إلى الأطراف المعنية، ويتوجب على الدولة الطرف أن تقدم خلال ستة أشهر ردًّا مكتوبًا يتضمن الإجراءات التي اتخذتها في ضوء آراء اللجنة وتوصياتها. وهذه التدابير والإجراءات تخضع لتقييم اللجنة الدولية، حسبما تراه اللجنة مناسبًا (المادة السابعة).

    ثامنًا: إذا ما تلقت اللجنة أية معلومات على وقوع ما تعتبره انتهاكات لاتفاقية سيداو في أي دولة طرف، يصير من حق اللجنة إرسال عضو أو أكثر من أعضائها للتحري في تلك الدولة، وعلى الدولة أن تتعاون في جميع الإجراءات، وتقوم الدولة الطرف، في غضون ستة أشهر من تلقي نتائج التحقيق والتعليقات والتوصيات التي أحالتها إليها اللجنة، بتقديم ملاحظاتها إلى اللجنة (المادة الثامنة والتاسعة).

    مثال ذلك:

    إذا نما إلى علم اللجنة الدولية- على سبيل المثال- زواج فتاة تحت سن الثامنة عشرة (والذي تعده اتفاقية سيداو عنفًا ضد الطفلة) في دولة طرف، فإن البروتوكول يعطي اللجنة- دون انتظار وصول شكوى من أفراد- حق إرسال عضو من أعضائها لتلك الدولة للتحري عن تلك المسألة، وإصدار توصيات، وعلى الدولة الطرف الرد خلال 6 أشهر بما اتخذته من تدابير لوقف هذا الأمر.

    تاسعًا: كعادة الأمم المتحدة، فإنها تقوم بإخطار الدول بحقها– عند التوقيع على الوثائق والبروتوكولات- في التحفظ على ما تشاء من المواد، حيث تنص المادة العاشرة على أنه: من حق الدول وقت توقيع البروتوكول، أو التصديق عليه، أو الانضمام إليه أن تعلن أنها لا تعترف باختصاص اللجنة المنصوص عليه في المادتين (8،9) (المادة العاشرة).

     في حين تنص المادة السابعة عشرة على عدم السماح بأي تحفظات على هذا البروتوكول، كما لا يجوز التحفظ على أي مادة من مواده، حسبما جاء في المادة السابعة عشرة.

    وهي خدعة طالما قامت بها الأمم المتحدة لتشجيع الحكومات على التوقيع على اتفاقياتها المختلفة، فإبان التوقيع على اتفاقية السيداو حدثت نفس الخدعة، ووقَّعت الدول الإسلامية على الاتفاقية مع التحفظ على العديد من البنود التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية، بينما يلغي البند (28) من الاتفاقية أي تحفظ يتعارض مع روح الاتفاقية وغرضها الأساسي (ألا وهو التساوي التام بين الرجل والمرأة)، في حين أن البنود المتحفظ عليها تجسد روح الاتفاقية وغرضها الأساسي، والتحفظ عليها يعني رفض مبدأ التساوي التام والمطلق بين الرجل والمرأة، وتأييد الشريعة الإسلامية التي تقر وجود فوارق بين الرجل والمرأة بيولوجيًّا ونفسيًّا، من شأنها الحفاظ على توازن البشرية، وتكامل الجنسين في أداء أدوارهما داخل الأسرة وخارجها.

    عاشرًا: إلزام الدولة الطرف بتوفير الحصانة للأفراد مقدمي الشكوى إلى اللجنة الدولية، وعدم تعرضها لهم بسوء المعاملة أو التخويف لتراسُلهم مع اللجنة (المادة الحادية عشرة)، وهو ما يعطي الأفراد والمنظمات غير الحكومية مطلق الحرية في نقل المعلومات للجنة الدولية، والتعاون معها في أمان تام من أن تطالها يد الدولة بالمساءلة أو التضييق.

    حادي عشر: لضمان تنفيذ البروتوكول سيتم إدراج الأنشطة التي تضطلع بها اللجنة بموجبه في تقريرها السنوي، المقدم بموجب المادة 21 من اتفاقية سيداو (المادة الثانية عشرة).

    ثاني عشر: فرَض البروتوكول على الدول الأطراف فيه أن تقوم بالتعريف به وبالاتفاقية على نطاق واسع، والدعاية لهما، وتيسير الحصول على معلومات عن آراء اللجنة وتوصياتها (المادة الثالثة عشرة).

    بما يعني تطبيع الاتفاقية وبروتوكولها في المجتمعات، وجعلها واقعًا لا يمكن التراجع عنه، وإقرارها كمرجعية تشريعية بديلة لكل المرجعيات التي تؤمن بها الشعوب المختلفة.

    ثالث عشر: لا يسمح بأي تحفظات على هذا البروتوكول (المادة السابعة عشرة).

    وهو ما يتناقض– كما سبق أن ذكرنا- تناقضًا واضحًا مع المادة العاشرة التي تجيز للدول الأطراف وقت توقيع البروتوكول، أو التصديق عليه، أو الانضمام إليه أن تعلن أنها لا تعترف باختصاص اللجنة المنصوص عليه في المادتين (8،9)!!.

    رابع عشر: يجيز البروتوكول لأي دولة طرف أن تتنصل منه في أي وقت بإخطار خطِّي مُوجَّه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويصبح هذا التنصل نافذًا بعد ستة أشهر من تاريخ استلام الأمين العام للإخطار، ولكن يستمر تطبيق أحكام البروتوكول على أي رسالة مقدمة بموجب المادة (2)، أو تحرٍّ شُرع فيه بموجب المادة (8) قبل تاريخ نفاذ التنصل (المادة التاسعة عشرة).

    ومن ثم يمكن للأفراد والمجموعات استغلال فترة الستة شهور، والإسراع بتقديم الشكاوى طالما أن أحكام البروتوكول تسري على تلك الفترة.

    ملحوظة:

    طالما يعطي البروتوكول لجنة السيداو الحق في التدخل كيفما تشاء في شئون الحكومات، فهذا سيعطيها الحق في تعديل القوانين الوطنية للدول وفقًا لرؤيتها، فعلى سبيل المثال، ورَد في تمهيد اتفاقية سيداو ما يفيد بضرورة تحقيق مساواة الجندر، أي مساواة الأنواع (رجال، نساء، شواذ)، وبالتالي ستحاول اللجنة إلغاء أي عقوبة خاصة بالشواذ، حتى إن من يتعامل معهم بأسلوب مختلف عن غيرهم سيعاقب بتهمة التمييز ضد المثليين، وهو ما تجري المطالبة به حاليًا في لجان حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، حيث طرح في 2 من أكتوبر 2009 في اجتماع لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في جنيف مشروع قرار يعطي كافة الحقوق للشواذ، ويضمن لهم الحماية الكاملة، ويتوعد من يتعرض لهم بالمحاكمة والعقوبة!.

    * * *

    الفصل الرابع : ملاحق البحث

    ملحق (1): في الخصوصية الحضارية للمصطلحات: مصطلحات وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والمجال الاجتماعي. بقلم: د.عمرو عبد الكريم سعداوي

    ملحق (2): البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو.

    ملحق (3): قرار مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن حول المادة (15) و(16) من اتفاقية سيداو.

    ملحق (1) في الخصوصية الحضارية للمصطلحات مصطلحات وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة  بالمرأة والمجال الاجتماعي بقلم: د.عمرو عبد الكريم سعداوي

    مقدمة:

    في معرض بيانه للخصوصية الحضارية للمصطلحات يقول
    د. محمد عمارة: إذا نظرنا إلى أي مصطلح من المصطلحات باعتباره «وعاء» يوضع فيه «مضمون» من المضامين، وبحسبانه «أداة» تحمل «رسالة» المعنى، فسنجد صلاح وصلاحية الكثير من المصطلحات لأداء دور «الأوعية» «والأدوات» على امتداد الحضارات المختلفة.

    أما إذا نظرنا إلى المصطلحات من زاوية «المضامين» التي توضع في أوعيتها، ومن حيث الرسائل الفكرية التي حملتها «الأدوات: المصطلحات»، فسنكون بحاجة ماسة وشديدة إلى ضبط عبارة: «لا مشاحة في الاصطلاح»؛ لأننا سوف نجد أنفسنا أمام «أوعية» عامة، وأدوات مشتركة بين الحضارات والأنساق الفكرية، وفي ذات الوقت أمام «مضامين» خاصة، ورسائل متميزة تختلف فيها، وتتميز بها هذه الأوعية العامة، والأدوات المشتركة لدى أهل كل حضارة من الحضارات المتميزة ([18]).

    لذا تنبع أهمية المصطلحات عمومًا من أنها الوعاء الذي تطرح من خلاله الأفكار، فإذا ما اضطرب ضبط هذا الوعاء أو اختلت دلالاته التعبيرية، أو تميعت معطياته اختل البناء الفكري ذاته، واهتزت قيمه في الأذهان، أو خفيت حقائقه، فضبط الاصطلاحات والمفاهيم ليس من قبل الإجراء الشكلي، أو التناول المصطنع، بقدر ما هو عملية تمس صلب المضمون، وتتعدى أبعادها إلى نتائج منهجية وفكرية خطيرة، مما يحدونا للبحث عن علْمَي: «اجتماع المعاني»، و«التطور الدلالي للمصطلحات».

    والمتأمل في تراثنا الفكري يلاحظ فعلاً مدى أهمية ضبط الكلمات والألفاظ، سيما ما ارتبط منها بموقف فكري أو حركي محدد، لدرجة الحرص التام على إلزام المسلمين بمصطلحات وألفاظ بعينها، والنهي عن الحيدة عنها، أو تسميتها بغير مسمياتها، حتى ولو كان التقارب بين اللفظين شديدًا ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة: 104].

    وتمر وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والمجال الاجتماعي بالعديد من المفاهيم والمصطلحات التي تُشَكِّل في ذاتها الوحدات الأساسية لما يطرح من حلول للمشكلات الاجتماعية لمختلف بلدان العالم، ولا يمكن فهم تلك الحلول المطروحة إلا عبر فهم تلك المفاهيم والمصطلحات،  وتحديدها تحديدًا إجرائيًّا دقيقًا، حتى يمكن تشغيلها والاستفادة منها، وإذا كانت تلك المشكلة- مشكلة «تحديد المفاهيم»- هي المشكلة الأولى؛ فإن المشكلة الثانية تتلخص في- أو تنشأ- عندما يتم نقل هذه المفاهيم من مجتمع إلى آخر يختلفان ثقافة ولغة، ونمط حياة، ومستوى حضارة، ذلك أن إعادة استنبات المفاهيم في بيئة حضارية مغايرة لا يؤتي نفس الثمار التي أتتها في بيئتها الأولى، وهو ما أطلق عليه المفكر الإيرانى الشهير علي شريعتي: «جغرافيا الكلام»، أي أن كلامًا معينًا قد يكون صحيحًا في بيئة ما، فإذا تم نقله إلى بيئة أخرى لم يكن بدرجة الصحة التي كان عليها في بيئته الأولى.

    المشكلة الثالثة تنبع عندما يتم البدء من كون تلك المفاهيم القادمة من «بيئتها الأولى» معيارًا قياسيًّاStandard  يفهم به الظواهر الاجتماعية في البيئة الثانية، بل وتفسر، وأكثر من ذلك يُحكَم به على كل شيء، أي تصير تلك المفاهيم المنقولة أو العابرة للحضارات مفاهيم عالمية تُردّ إليها الأمور، ويصبح المتخلف هو المتخلف عن تلك المفاهيم، والمتقدم هو المتوافق معها، وبذلك تصير البيئة الثانية ليست هي، وإنما نسخة مقلدة، أو تحاول أن تقلد البيئة الأولى، ويكون الحكم على نجاحها أو إخفاقها بدرجة قربها من النموذج الأول.

    المشكلة الرابعة: هي أنه في أثناء تلك العملية من جلب المفاهيم استيرادًا أو نقلاً، واعتبارها حكمًا ومعيارًا تنشأ مشكلة أهم من ذلك كله، وهي انزواء المفاهيم الأصيلة للبيئة الثانية، وبقدر ما تتم عملية الإحلال والتبديل هذه، يتم تجاهل مفاهيم البيئة الثانية ذاتها وتجاوزها.

    المشكلة الخامسة: هي ذروة المأساة، وهي تكون عندما تفهم مفاهيم البيئة الأصلية في ضوء المفاهيم المنقولة استيرادًا أو تقليدًا؛ بحجة أنها مفاهيم عالمية عابرة للقارات والحضارات والثقافات والقيم، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك أنه في بيئة الحضارة الغربية مثلاً، عندما يتكلمون عن علاقة الدين بالعلم وما بينهما من تناقض، فإنهم يقصدون بالدين: الدين المسيحي، وعندما يتم التقليد، وتناقش قضايا المجتمع على خلفية مفاهيم مجتمع آخر، نجد أن كثيرًا من المفكرين في العالم الإسلامي عندما يتكلمون عن علاقة الدين بالعلم، نجد أنهم لا يستبطنون الدين الإسلامي أو الإسلام الذي هو دين المنطقة وشعوبها، بل يستحضرون نفس الحجج التي قيلت عن تناقض الدين المسيحي في العالم الغربي مع مكتشفات العلم الحديث، وهذا ما يحدث في كثير من القضايا، وهنا يثور السؤال عن هذا المثقف والمفكر في العالم الإسلامي المنتمي تكوينًا ووجدانًا للعالم الغربي: عن أي نمط يعبر؟ هل عندما يتكلم يعبر عن ثقافة ذلك المجتمع الذي يعيش فيه، أم عن ذلك المجتمع الآخر الذى استبطنه، وتمثَّل قيمه ومفاهيمه وعاداته وطرق حياته؟

    لا أقصد المثقف العضوي الذي تكلم عنه «جرامشي» في مذكراته، وإنما أقصد المثقف المنتمي عضويًّا لمجتمعه وبيئته الأصلية.

    لذا تفرض ضرورة ضبط المفاهيم والاصطلاحات القيام بعمليتين في آن واحد، وهما:

    أ- تحرير المفاهيم الأساسية التي شاعت بشأن قضايا المرأة والاجتماع والعلاقات الإنسانية مما علق بها من مضامين ومعانٍ تخالف حقيقتها؛ لأن الكلمات نفسها كأداة للتعبير، وإطار للمعاني تُحمّل بمدلولات نفسية تلقي بظلالها على ذهن وروح السامع والقارئ، ولأن «اللغة» ليست مجرد أداة رمزية، بل إنها جوهر التفاعل الحضاري.

    من ثم، فإن من أهم ما يتصل بقضية تحرير المفاهيم هو عدم قبول المفاهيم الغربية الخاصة بالمرأة خاصة، والمجال الاجتماعي بصفة عامة؛ لأنها محملة بمسَلَّمات فكرية، وأسس فلسفية نابعة من البيئة الحضارية التي أفرزتها، ذلك أنه من المسَلَّم به أن كلمات اللغة التي تنطق بها الأمة هي أفكارها وقيمها، وهي ذات صلة عميقة بالعقيدة وتصور هذه الأمة للإنسان والكون والحياة.

    وعلى هذا، فإن اصطلاحات الغرب ومفاهيمه لا يمكن فصلها عن ملابساتها الفكرية، وسياقاتها التاريخية، ولا يمكن التعامل مع المصطلحات والمفاهيم الخاصة بقضايا المرأة، أو المجال الاجتماعي كما نتعامل مع ألفاظ الاختراعات، وأسماء الأشياء.

    ب- استبطان المفاهيم الإسلامية الخالصة، التي تمثل منظومة أو نسقًا مفهوميًّا مترابطًا يتداعى تلقائيًّا عند التعامل مع أحد مكوناته، حيث إن المفاهيم الإسلامية تنطلق من التوحيد كأساس وغاية، مما يجعل منها وحدة متراصة متكاملة تتصف بمجموعة من الخصائص تميزها عن غيرها من الأنساق، كما تعبر المفاهيم الإسلامية عن الحقيقة التي تتناولها في شمولها، واختلاف أبعادها ومستوياتها. كما تعطي تلك المفاهيم دلالات معينة عند كل مستوى للتحليل، أو عند كل بُعْد من أبعاد الظاهرة، ذلك أن الوعي بأهمية الكلمة ومسئوليتها وفق البيان القرآني إنما يشكل الأساس في  تحرير العقول.

    وتهدف عملية استبطان المفاهيم الإسلامية أساسًا إلى عدة أمور، من أهمها:

    أ- تحقيق الهوية والاختصاص والتمايز لمنظومة المفاهيم إسلامية الطابع والمصدر والوسائل والغايات، فالمصطلحات وإن كانت «حمّالة» لرسائل فكرية موجهة، فهى أيضًا «أدوات للتواصل والتعبير» عما نحمله من مفاهيم يتصورها الإنسان عن الخالق والكون والحياة.

    ب- التعامل مع الإنسان المسلم بوحدات من المفاهيم قادرة على أن تمس حقيقة تكوينه، حيث تستطيع هذه المفاهيم أن تفجر الطاقة الكامنة، من خلال التعامل بمفاهيم الإيمان (الفرض- الحلال والحرام- رقابة الله)، بما يحقق أقصى درجات الفاعلية([19]).

    جـ- نقض دعوى عالمية المفاهيم الغربية بحسبانها مجمع تراث الإنسانية، ذلك أن مصطلح «العالمية» متصل بتحديد الأنا والذات، وبالموقف من الآخر، وبالدوائر الحضارية، وبتفاعل الحضارات كما يقول د. أحمد صدقي الدجاني، حيث يُلاحَظ احتكار الغرب لصفة «العالمية»، بحيث أصبح المصطلح ينصرف إليه، فكل ما هو غربي عالمي في نظره، فكأن العالم مقتصر عليه([20]).

    أهم مصطلحات وثائق مؤتمر الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والمجال الاجتماعي:

    حفلت وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والقضايا الاجتماعية بالعديد من المصطلحات المتميزة، والتي لا يمكن فهمها إلا باستيعاب دلالات نصها في لغتها الأصلية- وهي اللغة الإنجليزية- ومن وجهة نظر قانونية غربية بحتة.

    ولعل مصطلح الجندر Gender هو المصطلح المنظومة الذي يمثل «قطب الرَّحَى»، وتدور حوله معظم مصطلحات الأمم المتحدة شرحًا على متنه، أو تفسيرًا لغامضه، وإن زادته غموضًا، فهو مفهوم ومصطلح مراوغ وملتبس وموهم، وغير دالٍّ، وإن شئنا الدقة لقلنا: إنه مضلِّل، وقد ظهر- لأول مرة- في وثيقة مؤتمر القاهرة في (51) موضعًا، منها ما جاء في الفقرة التاسعة عشرة من المادة الرابعة من نص الإعلان الذي يدعو إلى تحطيم كل التفرقة الجندرية، وإلى هذا الحد لم يُثِر المصطلح أي نزاع بسبب ترجمته بما يفيد نوع الجنس (الذكر/ الأنثى)، ومن ثم لم يُنتبه إليه، ومراعاة لخطة التهيئة والتدرج في فرض المفهوم، ثم تمت إثارته مرة ثانية، ولكن بشكل أوضح في مؤتمر بكين للمرأة (عام 1995م)، إذ ظهر مصطلح (الجندر) 233 مرة في وثيقة المؤتمر، وكان لا بد لمعرفته، والوقوف على معناه من معرفة أصله في لغته التي صُكَّ فيها، والتعرف على ظروف نشأته، وتطوره الدلالي، كما سبق بيانه، وكان لجهود بعض المعارضين لأهداف المؤتمر من النصارى الغربيين دور كبير في كشف النقاب عن مخبآت هذا المصطلح.

    تقول الموسوعة البريطانية في تعريف ما يسمى بالهوية الجندريةGender Identity : «إن الهوية الجندرية هي شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى، وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية والخصائص العضوية تكون على اتفاق (أو تكون واحدة)، ولكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية (أي شعوره الشخصي بالذكورة أو الأنوثة)، ومثال ذلك الحالات التي يريد فيها الإنسان تغيير خصائصه العضوية، على الرغم من أن خصائصه العضوية الأصلية (الطبيعية) واضحة وغير مبهمة، ولكن الشخص المصاب يعتقد بأنه يجب أن يكون من أصحاب الجنس الآخر».

    «لذلك فإن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة، بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية، وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كلما نما الطفل».

    «كما أنه من الممكن أن تتكون هوية جندرية لاحقة أو ثانوية، لتتطور وتطغى على الهوية الجندرية الأساسية، حيث يتم اكتساب أنماط من السلوك الجنسي في وقت لاحق من الحياة، إذ إن أنماط السلوك الجنسي وغير النمطية منها (بين الجنس الواحد) أيضًا تتطور لاحقًا».

    أما تعريف منظمة الصحة العالمية، فهو أدهى من تعريف الموسوعة البريطانية للهوية الجندرية، إذ تعرف المنظمة مصطلح «الجندر» بأنه: «المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية».

    أما في بكين، فقد أسفر بحث الوفود في المعنى الحقيقي للمصطلح إلى صراع استمر أيامًا، وأدى إلى إنشاء لجنة خاصة لتقوم بتعريفه، وبيت القصيد هنا أن الدول الغربية رفضت تعريف الجندر بالذكر والأنثى، ولم تنجح اللجنة في تعريف الجندر، بل خرجت متفقة على عدم تعريفه، وهذا ما يثبت سوء النية، وبعد المرمى، والإصرار الكامل على فرض مفهوم حرية الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي، فلو أن الجندر لا يتضمن الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي، فلم الاعتراض على تعريفه بالذكر والأنثى فقط؟!.

    ومن ثم استمر الصراع أيامًا في البحث عن المعنى الحقيقي للمصطلح، مما أدى إلى إنشاء لجنة خاصة تقوم بتعريفه، ومع ذلك باءت بالفشل أيضًا، إذ أصرت الدول الغربية على وضع تعريف يشمل الحياة غير النمطية كسلوك اجتماعي، ورفضت الدول الأخرى أية محاولة من هذا النوع، فكانت النتيجة أن عرفت اللجنة المصطلح بعدم تعريفه:The non definition of the term Gender ، ويظهر ذلك ويتجلى في تقرير لجنة التنمية الاجتماعية في العالم عام 1997م، حيث ذكرت- بشكل صريح- أن «الجندر» مفهوم اجتماعي غير مرتبط بالاختلافات الحيوية (البيولوجية)، وهو الأمر الذي عجزت الوفود المشاركة في مؤتمر بكين عن تعريفه.

    وتكشف وثائق مؤتمر روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية المنعقدة في روما (14/6 - 18/6 عام 1998م)، عن محاولة لتجريم القوانين التي تعاقب على الشذوذ الجنسي؛ إذ أوردت الدول الغربية أن كل تفرقة أو عقاب على أساس «الجندر» يشكل جريمة ضد الإنسانية، وكان إدخال كلمة Gender في تعريف الجرائم بالإنجليزية أمرًا غريبًا في حد ذاته، إذ إن النَّصَّيْن العربي والفرنسي استعملا كلمة (الجنس)، ولم يستعملا كلمة «الجندر»، إذ ليس له تعريف واضح، أو مدلول محدد، وهذا الأمر دفع الوفود العربية والإسلامية- بقيادة المملكة العربية السعودية وقطر وسورية- إلى استبدال كلمة الجنس بدلاً من كلمة الجندر، واستمر الخلاف أيامًا كالعادة، وفيه قال أحد المفاوضين العرب: «إن كنتم تقصدون أن هذه ترادف هذه، فلماذا الإصرار؟! وإن كانت تختلف في المعنى فأفهمونا الخلاف، باعتبارها لغتكم، لنستطيع أن نرى انسجامها مع القانون أو لا، وهذا الخلاف الشديد دعاهم لأن يعترفوا بأنها تعني «عدم الحياة النمطية للنوع الواحد»، بمعنى أنه إذا مارس أحدهم الشذوذ الجنسي، فعوقب بناءً على القانون الداخلي للدولة، كان القاضي مجرمًا بحق الإنسانية.

    وعلى الرغم من المعارضة الشديدة من الدول العربية والإسلامية لم تنجح تلك الدول في حذف كلمة «الجندر» من النص الإنجليزي، ولكن توصلوا إلى حل وسط، حيث عرف «الجندر» بأنه يعني الذكر والأنثى في نطاق المجتمع، وهو الأمر الذي رفضه وفد المملكة العربية السعودية؛ لأن هذه الإضافة- في نطاق المجتمع- إنما يراد بها أن الفروق بين الذكر والأنثى ليست عضوية، وإنما هي اجتماعية، وهذا- بعينه - هو مصطلح «الجندر»، والأخطر من ذلك هو نجاح الدول الغربية في تعريف كلمة (الجنس)، التي كانت تعني الذكر والأنثى، إلى تعريف يقربه من مفهوم «الجندر»، إذ عرفته- أي الجنس- بمعنى الذكر والأنثى في نطاق المجتمع.

    وإتمامًا لهذه المسيرة الطويلة لفرض هذا المفهوم، دعا إعلان مؤتمر لاهاي للشباب عام 1999 إلى إنشاء جهاز خاص في كل مدرسة؛ «لتحطيم الصورة التقليدية والسلبية للهوية الجندرية، للعمل على تعليم الطلبة حقوقهم الجنسية والإنجابية؛ بهدف خلق هوية إيجابية للفتيات / النساء، وللفتيان/ الرجال».

    كما يدعو الإعلان- بجرأة مطلقة- الحكومات إلى إعادة النظر، وتقديم قوانين جديدة تتناسب مع حقوق المراهقين والشباب؛ للاستمتاع «بالصحة الجنسية» والصحة الإنجابية بدون التفرقة على أساس «الجندر»([21]).

    مصطلح التمكين: من المصطلحات ذائعة الصيت في جميع وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة، وبقدر ذيوعه بقدر غموضه، ففي جدول الأعمال المؤقت للجنة مركز المرأة، الدورة الرابعة والأربعون «متابعة المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة: استعراض إدماج قضايا المرأة في الأنشطة الرئيسية لمؤسسات منظومة الأمم المتحدة- جاء: تركز عمل منظومة الأمم المتحدة في مجال المرأة والفقر على أهمية تمكين المرأة»، ولكل مجال من المجالات هناك ثابت أساسي، وهو عنصر التمكين (الاقتصادي- السياسي- الاجتماعي) للمرأة.

    وفي كتاب تمكين المرأة ([22])Women Empowerment  لم يكن هناك تعريف محدد لمصطلح التمكين، وإن جاء فيه: في إحدى «ورش العمل» Work shop للمرأة في الباسيفيك بعنوان: «المرأة والتنمية والتمكين»، قالت فانيسا جريفين  Vanessa Griffenعما يعنيه التمكين بالنسبة لها:
    «إنه ببساطة يعني مزيدًا من قوة المرأة، والقوة تعني لها: مستوى عاليًا من التحكم، ومزيدًا من التحكم؛ وإمكانية التعبير والسماع لها، والقدرة على التعريف والابتكار من منظور المرأة، والقدرة على الاختيارات الاجتماعية المؤثرة، والتأثير في كل القرارات المجتمعية، وليس فقط في المناطق الاجتماعية المقبولة كمكان للمرأة، واعترافًا واحترامًا كمواطن متساوٍ، وكيان إنساني مع الآخرين، والقوة تعني مقدرة على المساهمة والمشاركة في كل المستويات الاجتماعية، وليست في مجرد المنـزل، والقوة تعني أيضًا مشاركة المرأة مشاركة معترفًا بها، وذات قيمة».

     ربما كانت هذه ترجمة حرفية لما قيل، لكن لعل تلك الإطالة مما يزيد المفهوم غموضًا، فالمصطلح الذي يفسر كل شيء لا يفسر أي شيء على الإطلاق، ويظل مصطلحًا غامضًا يفسر حسب مقتضيات الموقف.

    وجاء في إعلان مؤتمر بكين في الفقرة (12): تمكين المرأة والنهوض بها، بما في ذلك الحق في حرية الفكر والضمير والدين والمعتقد.

    وتخدم هذه الفقرة سبل تحقيق الرؤية الغربية لمفهوم تحرير المرأة من كل القيود، بما في ذلك الروحية والأخلاقية والفكرية، وأن تمارس تلك الحرية وحدها، أو بالاشتراك مع غيرها، تمهيدًا لسيادة أنماط السلوك الغربي.

    ومن أخطر المصطلحات التي وردت في وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة هما مصطلحا: «الصحة الإنجابية» Reproductive Health، و«الصحة الجنسية» Sexual Health، واعتبارهما حقوقًا إنسانية عامة غير مقصورة على المتزوجين زواجًا شرعيًّا، إذ اعتبرتهما كالغذاء حاجات طبيعية، وحقوقًا لكل الأفراد من كل الأعمار دون ضوابط من أي شرع، أو أي دين.

    وهذه المصطلحات تعني في وثيقة «برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية»، الذي انعقد بالقاهرة من 5-13 سبتمبر سنة 1994:

    المتعة الجنسية المأمونة، والقائمة على التراضي؛ باعتبارها حقًّا للجميع كالغذاء، وليست حقًّا خاصًّا بالأزواج زواجًا شرعيًّا دون سواهم، وأنها- في رؤية الوثيقة- حق للإنسان يقتضيه الجسد، ولا تضبطه حقوق الله- الذي لم يرد ذكر اسمه ولو مرة واحدة في مشروع البرنامج- ولا يحدد نطاقها دين- أي دين- والذي لا وجود لإشارة إليه في كل فصول وفقرات المشروع- الذى جاء في حجم كتاب غير صغير([23]).

    أما مصطلح الصحة الإنجابية أو التناسلية، فهو وإن كان يحمل معنى إيجابيًّا بتحسين الصحة الإنجابية للرجل والمرأة، من خلال إقامة علاقات سوية باتباع تعليمات وإرشادات صحية، إلا أن سياق استعماله وإدخاله ضمن برامج تنظيم الأسرة مع مصطلح (تنظيم الخصوبة)، والذى يعني تحديد نسبة التوالد في بلد معين، يجعل المصطلح يدور حول معنى محدد، وهو توفير المزيد من وسائل خدمات الرعاية التناسلية والجنسية، ومنها موانع الحمل، بأن تكون في متناول الجميع دون اشتراط.

    ومن أكثر المصطلحات إثارة للجدل داخل مؤتمر القاهرة للسكان، هو مصطلح «المتحدين والمتعايشين»؛ إذ ذكر الإعلان حقوق «المتحدين والمتعايشين» Unions and Couples  بعيدًا عن ذكر الأسرة بوصفها الأساس الطبيعي والوحيد لأي مجتمع بشري، وهو الأمر الذي تكرر في بكين وإسطنبول ولاهاي، بما يعني السعي الدءوب لتقنين الشذوذ، الذي بات معترفًا به من جانب بعض الكنائس والدول الغربية، وهذا ليس بمستغرب، إذ التقت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة «ماري روبنسون»- رئيسة جمهورية أيرلندا سابقًا- في نهاية عام 1998 بالحلف الدولي للشواذ، وتعهدت خلاله بإعطاء كل تأييدها ودعمها لجهود هذا الحلف، وأعلنت عزمها على تعيين مراقب خاص لمتابعة حقوق الشواذ([24]).

    ومنها بالطبع حق زواج الجنس الواحد، ومكافحة القوانين المضادة للشذوذ الجنسي، على أن كل تفرقة على أساس السلوك الجنسي غير قانونية من وجهة نظرها.

    ولعل ذلك يحيلنا على مفهوم / مصطلح «الأسرة»، فبينما تروج وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة لتعدد أنماط الأسرة، حاولت كثير من بلدان العالم، والدول العربية والإسلامية والفاتيكان، وبعض دول أمريكا اللاتينية والصين التأكيد على أن الزواج هو العقد المبرم بين الرجل والمرأة، والذي يكوّن الأسرة كجهاز اجتماعي مسئول عن إنجاب وتربية الأطفال، وتجدد الصراع مرة أخرى في مؤتمر بكين عندما أكدت وثيقته أن للأسرة أنواعًا وأنماطًا تختلف حسب المجتمع، وحاولت الدول المعارضة لهذا التعريف- عبثًا- إضافة وصف (التقليدية) في وصف الأسرة وأنماطها، ولم تصمد أمام موقف الدول الغربية الرافضة لإدخال كلمة (التقليدية) كوصف للأسرة وأنماطها.

    لقد قدمت وثائق الأمم المتحدة مفهومًا للأسرة غير الذي تعارفت عليه الأديان جميعها- وهو مفهوم الأسرة القائمة على الزواج الشرعي بين ذكر وأنثى- فهي (أي وثائق الأمم المتحدة) تتحدث عن «اقتران» لا يقوم على الزواج- وهو ما يشيع في العلاقات المحرمة دينيًّا بين العشيق والعشيقة، أو بين رجلين أو امرأتين- عند الشواذ([25]).

    ونجد وثيقة برنامج عمل مؤتمر القاهرة للسكان لا تقف عند إباحة هذه الأشكال من «الأسرة»، وإنما ترتب لها «حقوقًا»، وتدعو إلى إزالة كل عقبات وألوان التمييز بين هذه العلاقات والاقترانات الشاذة والمحرمة، وبين الأسرة القائمة على الزواج، فتقول: «وينبغي القضاء على أشكال التمييز في السياسات المتعلقة بالزواج وأشكال الاقتران الأخرى»، واستخدمت الوثيقة لذلك مصطلحًا هو:The Family-in-all-its Forms ، وجعل المؤتمر من أهدافه وضع سياسات وقوانين تقدم دعمًا أفضل للأسرة، وتسهم في استقرارها، وتأخذ في الاعتبار تعددية أشكالها.

    ثم جاء بعد ذلك في الوثيقة ما يفسر هذه التعددية بمثل: زواج الجنس الواحد، والمعاشرة بدون زواج، والكل في الحقوق متساوٍ([26]).

    وهكذا نجد أنفسنا أمام مفاهيم عن العلاقات والممارسات الجنسية، ومفاهيم عن الأسرة والاقتران تجعل الجنس القائم على التراضي، والمأمون من أن يؤدي إلى الأمراض الفتاكة حقًّا لكل جسد، مثله كمثل الغذاء، لا تضبطه ضوابط الزواج الشرعي بين الذكر والأنثى، وإنما هو مباح بين الذكور والإناث دون زواج، وفي كل الأعمار، وبين المراهقين والمراهقات، وأيضًا بين الأمثال من الشاذين والشاذات.

    وفي مؤتمر إسطنبول للمستوطنات البشرية عام 1996 تفجر الصراع مرة أخرى حول تعريف الأسرة، بشكل يثبت إصرار الجهات المنظمة والداعمة لهذه المؤتمرات على نشر الإباحية الجنسية، من خلال تفتيت الأسرة، وتحريف مفهومها، إذ استمر الصراع أيامًا عديدة حول (هل الأسرة خلية اجتماعية يجب تدعيمها؟)، أو هي (الخلية الاجتماعية الأساسية التي يجب تدعيمها؟)، أي حول إضافة (ال) التعريف مع إضافة كلمة (الأساسية)، وكالعادة وقفت الدول الغربية ضد هذه الإضافة تمامًا، وكذلك لم ينته الصراع حول مفهوم الأسرة عند حد الصراع اللغوي، بل امتد مرة أخرى إلى إثارة (هل للأسرة أنماط مختلفة؟)، لينتهي الأمر أمام إصرار كندا ودول الاتحاد الأوربي إلى وجود أنماط من الأسرة.

    وفي هذه النوعية من المؤتمرات «الدولية» للمرأة تظهر محاولة الاستغناء عن الأسرة في المصطلحات المستخدمة في الإشارة إلى الطفل الذي ولد خارج نطاق الزواج والأسرة، فهو لم يعد طفلاً غير شرعيIllegitimate  كما كان في الماضي، فقد أصبح طفلاً مولودًا خارج الزواج Out of wedlock ، ثم يتطور الأمر ليصبح طفلاً طبيعيًّاNatural baby ، وأخيرًا يصبح طفل الحب والجنس Love Baby، والبقية تأتي([27]).

    ومصطلح حرية الحياة غير النمطيةSexual Orientation Freedom ، الذي ظهر لأول مرة في مؤتمر بكين، إذ دعا إعلان المؤتمر في نص المادة رقم (226) من الوثيقة، إلى حرية الحياة غير النمطية كحق من حقوق الإنسان، مما استدعى طلبَ الكثير من الدول المُشاركة لتعريفه أو حذفه، في حين أكدت- كالعادة- الدول الغربية وعلى رأسها الدول الإسكندنافية وكندا وأمريكا ودول الاتحاد الأوربي، أن العبارة لا تضيف حقًّا جديدًا من حقوق الإنسان وحرياته، وعلى الرغم من حذف هذه العبارة من نص الإعلان، إلا أن المحاولة تكررت في مؤتمر الشباب في «براغ» بالبرتغال عام 1998م، حيث حاولت المنظمات التحررية (الليبرالية) والشاذة إدخال المصطلح مرة أخرى، ولكنها لم تنجح نظرًا للمعارضة الشديدة التي لقيتها، ومع ذلك نجحت تلك المنظمات في نحت وإضافة مصطلح جديد يؤدي إلى نفس المعنى، ولكن بشكل آخر (مرض الخوف من الحياة غير النمطية)، أي من الشذوذ الجنسي، ودعا في نص إعلان الشباب في «براغ» إلى «مكافحة التفرقة العنصرية والعرقية، ومرض الخوف من الشذوذ الجنسي»!.

    وفي مؤتمر لاهاي للشباب والمنظمات غير الحكومية (عام 1999) عاد مصطلح «حرية الحياة غير النمطية» من جديد ليفرض نفسه بكل قوة على نص الإعلان، وهو أنه يجب أن يكون التعليم الجنسي الشامل إلزاميًّا على جميع المراحل، ويجب أن تُعطَى المتعة الجنسية والثقة، والحرية عن التعبير الجنسي، والسلوك الجنسي غير النمطي، كما يدعو الإعلان حكومات العالم إلى «عدم التفرقة بين الشباب على أساس من العرق أو الدين أو الحضارة أو الجنس أو التوجه الجنسي- الحياة غير النمطية- أو السلوك والنشاط الجنسي»، الأمر الذي مثَّل انتصارًا جديدًا لجماعات الشواذ.

    لاحظ أن المفهوم تم الإيحاء به في مؤتمر السكان بالقاهرة (عام 1994)، ثم بدأ التدرج في فرض المفهوم، ومن ثم المصطلح في مؤتمر براغ عام 1998، ولاهاي عام 1999.

    ولعل مشكلة الشاذ الأسترالي نيكولاس تونون توضح دور بعض المنظمات الدولية في فرض هذا المصطلح، إذ رفع تونون دعوى قضائية أمام لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ضد قانون ولايته (تسمانيا بأستراليا)، والخاص بمكافحة الشذوذ الجنسي، على اعتبار أن هذا القانون يمثل بالنسبة له خرقًا لحقوقه، وتدخلاً في حياته الخاصة، وأن ذلك يتنافى مع التزامات أستراليا، طبقًا لمعاهدة حقوق الإنسان المدنية والسياسية.

     وعلى الرغم من أن هذه اللجنة منوط بها مراقبة تطبيق الدول الموقعة على الاتفاقية لالتزاماتها الدولية، وفق بروتوكول خاص ملحق بمعاهدة حقوق الإنسان المدنية والسياسية لعام 1966، ولا تشير الاتفاقية في أي بند من بنودها إلى الحقوق الجنسية، أو حرية الحياة غير النمطية، وإنما تشجع الاتفاقية احترام وصيانة حق الزواج، وحرمة الحياة العائلية- إلا أنها استطاعت أن توسع نص الاتفاقية ليشمل حرية الحياة الجنسية غير النمطية، وعدم جواز تدخل الدول في الحياة الخاصة للأفراد تحت باب المصلحة العامة، أو حماية الأخلاق، أو منع انتشار الأمراض!.

     وعلى ذلك فقد ألزمت اللجنة أستراليا- كطرف ملتزم ببنود الاتفاقية- باحترام هذه الحقوق، وإلزام ولاية (تسمانيا) بتعديل قانونها الجنائي بما يتفق والتزامها الدولي تجاه الاتفاقية، وذلك خلال 90 يومًا من تاريخه!([28]).

    ومن المصطلحات المهمة التي يكثر حولها الجدل مصطلح «عمل المرأة»، ذلك أن أسوأ ما في تناول النموذج الغربي لقضايا المرأة هو تناولها بحسبان المرأة كيانًا وحيدًا ومنفصلاً، وفردًا مستقلاً ليس منتميًا لا إلى أسرة، ولا إلى مجتمع، ولا إلى دولة، وليس له أية مرجعية، وفي هذا الإطار تم إعادة تعريف مفهوم العمل الإنساني Labour، باعتباره هو العمل الذي يقوم به المرء نظير أجر نقدي محسوب (كم محدد) خاضع لقوانين العرض والطلب، على أن يؤديه في رقعة الحياة العامة، أو يصب فيها في نهاية الأمر، وهذا التعريف يستبعد- بطبيعة الحال- الأمومة وتنشئة الأطفال، وغيرها من الأعمال المنـزلية، فمثل هذه الأعمال لا يمكن حسابها بدقة، ولا يمكن أن تنال عليها الأنثى أجرًا نقديًّا، بالرغم من أنها تستوعب جل حياتها واهتمامها إن أرادت أن تؤديها بأمانة، ولا يمكن لأحد مراقبتها أثناء أدائها، فهي تؤديها في رقعة الحياة الخاصة.

    باختصار شديد عمل المرأة في المنـزل هو عمل لا يمكن حساب ثمنه، مع أن قيمته مرتفعة للغاية، ولذا فهو ليس «عملاً»، حتى إنه أصبح من الشائع الآن أن تجيب ربة البيت عن سؤال بخصوص نوعية عملها بقولها: «لا أفعل شيئًا؛ فأنا أمكث في المنـزل»، بمعنى أن وظيفتها كأم (برغم أهميتها)، وعملها كأم (برغم المشقة التي تجدها في أدائه) هي «لا شيء»؛ فهو عمل لا تتقاضى عنه أجرًا، ولا يتم في رقعة الحياة العامة، وهنا تأتي المؤتمرات «الدولية»- التي لا تنتهي- عن المرأة، وعن تحديد النسل، وحركة «تحرير» المرأة التي تهدف إلى تفكيك الأسرة، وإلى «تحرير» المرأة من أدوارها التقليدية، مثل «الأمومة»، وهي أدوار ترى حركة التمركز حول الأنثى أن المرأة سجينة فيها([29]).

    بل إن وثيقة مؤتمر المرأة العالمي السابع (مؤتمر المرأة في بكين)، كان دائمًا يعبر فيها عن عمل المرأة في بيتها كزوجة وأم بأنه العمل غير المربح  Unremunerated Work.

    كما ورد باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «السيداو» العديد من المصطلحات التي تحمل من الدلالات ما يستحق الوقوف عنده، وكشف غامضه، أو إن شئنا الدقة فكّ شفرته.

    يمثل مصطلح «التمييز» قطب الرَّحى الذي تدور عليه الاتفاقية، ذلك أن التمييز صُكَّ كمصطلح قانوني له تداعياته وآثاره الاجتماعية، وإن كانت لفظة التمييز  Discrimination في لغتها الأصلية تعبر عن واقع الظلم والإجحاف أكثر مما تعبر عن واقع مجرد التفرقة، فليست كل تفرقة بين مختلفين ظلمًا، فالمساواة لا تتحقق إلا عندما تكون بين المتماثلين في السمات والخصائص والوظائف والمراكز القانونية (المركز القانوني هو مجموع الحقوق والالتزامات).

    أما مصطلح «الأدوار النمطية» Stereotyped Roles  أو الأدوار الجامدة، فليس سوى هجوم على مفهوم «الأسرة الفطرية»، الذي أجمع عليه أهل الأديان والمجتمعات منذ بدء الخليقة، التي تمثل أغلب شعوب العالم، باعتبارها تتكون من رجل وامرأة يربطهما عقد زواج شرعي، وتتوزع بينهما وظائف الحياة سعيًا نحو التكامل، فالأدوار النمطية أو الجامدة تعني أن هناك أنماطًا خاصة بالنساء باعتبارهن نساء، أو أنماطًا خاصة بالرجال باعتبارهم رجالاً، ومن ثم تدعو الاتفاقية إلى القضاء على تلك الأدوار النمطية أو الجامدة، وإلى اعتقاد أن هناك إمكانية واسعة لتبادل الأدوار باعتبارها محايدة.

    والنمط الجامد هو وصف يطلق على دور المرأة في المجال الأسري، وذلك بهدف القضاء على دور الأم المتفرغة لرعاية أسرتها، وأن الأمومة وظيفة اجتماعية، فهي ليست وظيفة لصيقة بالمرأة «مرتبط بتركيبها البيولوجي»، بل هي «وظيفة اجتماعية» يمكن أن يقوم بها أي إنسان آخر؛ لذا نادى تفسير الأمم المتحدة لاتفاقية السيداو بضرورة وضع نظام إجازة آباء لرعاية الأطفال، بالإضافة لدُور الحضانة، حتى تتفرغ الأم لمهمتها الأساسية، وهي العمل بأجر خارج البيت (في رقعة الحياة العامة).

    مصطلح «الاستحقاقات الأسرية» Family benefits مصطلح استخدمته الاتفاقية لتشير به إلى المساواة الكاملة في الميراث بين الأخ والأخت، وهو مصطلح ملتبس كما يقول د. محمد عمارة، وقد صيغ على هذا النحو لتجنب رد الفعل الإسلامي عند الحديث عن المساواة في الميراث.

    ومن المصطلحات والتعبيرات التي وردت باتفاقية السيداو،  وينبغي الوقوف عندها: تعبير «حقوق المرأة كوالدة بغض النظر عن حالتها الزوجية» Woman rights as a parent irrespective of her marital status، فهذا التعبير يفصل بين حق الأم كوالدة ووضعها كزوجة، ولا يبين عن أي وضع (شرعي أو غير شرعي) نتج مسمى المرأة كوالدة، ويثار هذا الأمر بأكثر من شكل في بعض وثائق مؤتمرات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والمجال الاجتماعي، مثل: «الأم أم مهما كان الطريق الذي حملت منه».

    لهذا نجد أن وثيقة مؤتمر القاهرة للسكان فصلت بين الزواج والجنس والإنجاب، واعتبرتها موضوعات متباينة لا علاقة لبعضها بالآخر، ولا ارتباط بينها قائم.

    * * *


     

    قائمة بأهم المصطلحات الإشكالية

    الجندر

    Gender

    التمكين

    Empowerment

    الصحة التناسلية/ الإنجابية

    Reproductive Health

    الصحة الجنسية

    Sexual Health

    المتحدون والمتعايشون

    Unions and Couples

    الأسرة

    Family

    تعدد أشكال الأسرة

    The Family-in-all-its forms

    حرية الحياة غير النمطية

    Sexual Orientation Freedom

    التوجه الجنسي

    Sexual Orientation

    عمل المرأة في المنـزل عمل غير مربح

    Unremunerated Work

    التمييز

    Discrimination

    الأدوار النمطية

    Stereotyped Roles

    الاستحقاقات الأسرية

    Family benefits

    الأمومة وظيفة اجتماعية

    Maternity as a social function

    حقوق المرأة كوالدة بغض النظر عن حالتها الزوجية

    Woman rights (as a parent) irrespective of her marital status

    الخوف من الشذوذ الجنسي

    Homo phobia

     

    ملحق (2) البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو

     

    ملحق (3) قرار مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن حول المادة (15) و(16) من اتفاقية سيداو.

    * الأسماء مرتبة ترتيبًا أبجديًّا.

    ([1]) تركزت تحفظات الدول العربية على المادة (2)، التي تتعلق بحظر التمييز في دساتير الدول وتشريعاتها، والمادة (7)، والمتعلقة بالحياة السياسية، والمادة (9)، وتتعلق بقوانين منح الجنسية للمرأة، والمادة (15)، وتتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة في الأهلية القانونية وقوانين السفر والإقامة، والمادة (16)، وتتعلق بقوانين الزواج والأسرة، والمادة (29)، وتتعلق برفع الخلاف في تفسير الاتفاقية أو تطبيقها بين الدول الأطراف إلى محكمة العدل الدولية. مرفق تفصيل هذه التحفظات (مرفق 2).

    ([2]) برنامج المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الفصل الأول، القاهرة، 1994.

    (*) المقصود بالغرب في هذه "الرؤية النقدية" الغرب الثقافي والحضاري، وليس الغرب الجغرافي.

    * وقد تم إضافة شكل رابع من أشكـال التمييز بموجب التوصية الصادرة من لجنة السيداو (القضاء على جميع أشكـال التمييز ضـد المرأة)، برقم (19)، سنة 1992م، التي أكدت على اعتبار (العنف) ضد المرأة- القائم على أساس الجنس- شكلاً من أشكال التمييز ضد المرأة الذي يؤثر على تمتعها بمطلق الحريات.

    ([3]) المعتادة والمتكررة.

    ([4])  سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، مترجم، بيروت، المكتبة الحديثة، 1971.

    ([5])  سوزان موللر أوكين، النساء في الفكر السياسي الغربي، مترجم، مكتبة الأسرة، 2005.

    ([6])  تم تناول مصطلح الجندر بشكل تفصيلي في الصفحات 77:72.

    ([7])  عواطف عبد الماجد، رؤية تأصيلية لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، مركز دراسات المرأة، الخرطوم، يونيو 1999، ص 85،86.

    ([8])  كتاب الاتفاقية واللجنة، صحيفة وقائع رقم (22)، الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، يوليو 1995.

    ([9])  للتعرف على التفاصيل الفقهية انظر: محمد رمضان أبو بكر، الطفولة في المواثيق الدولية والمحلية، رسالة دكتوراه، جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية، 2003.

    ([10])  women 2001,vol 1994

    ([11])  The Advancement of Women 1945-1995 - مرجع سبق ذكره، ص10،11.

    ([12])  وقد شهدت أروقة المحاكم الأمريكية سنة 1996م سجالاً بين الحركات النسوية والقضاء، بشأن امرأة أطلقت النار على بطنها وهي حامل في شهرها السادس، وقد تمكن الأطباء من إخراج الجنين حيًّا بعملية قيصرية، ولم تؤثر الرصاصة إلا على رسغه، ولكنه توفي بعد أسبوعين بسبب عجز في الكلية، وقد تمركزت حيرة القضاء الأمريكي في نوعية اتهام المرأة: هل تتهم بجريمة قتل، أم جريمة إجهاض غير مرخص؟ وكان دفاع المحامية- التي كلفتها الحركة النسوية للدفاع عنها- هو أن المرأة أطلقت النار على «نفسها»؛ لأن الجنين جزء منها.

    ([13]) التقرير الصادر في إبريل 2008، بعنوان: «قاصرات إلى الأبد- انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن نظام الولاية والفصل بين الجنسين في المملكة العربية السعودية».

    ([14])  متجاهلين أن الزوج سيحرم بهذا الفعل (التعقيم) من النسل، فلابد أن يكون موافقًا على ذلك.

    ([15]) وقد قامت بعض النسويات في البلاد العربية بتطبيق ذلك على أنفسهن، فقمن بإضافة اسم الأم يليه اسم الأب، وإحداهن هي (منى حلمي) ابنة النسوية المعروفة (نوال سعداوي)، التي عدلت اسمها ليصبح (منى نوال حلمي)!!

    ([16])  حتى الآن- تسع سنوات منذ اعتماد البروتوكول– صدقت عليه 97 دولة، منها ثلاث دول إسلامية، هي: ليبيا وتونس وبنجلاديش، ونظرت اللجنة في 11مراسلة، وتم التحقيق في حالة واحدة

     (http:// www.nwrcegypt.org/ Files/ Agenda/TOT.pdf).

    ([17]) انظر حقيبة البرنامج التدريبي لحقوق المرأة الإنسانية- اليونيفم– المكتب الإقليمي للمنطقة العربية، الكتيب رقم 2، 2004.

     

               http:// www.iadh-aihr.org/ pagesexterne/ joumana/ j1.htm   

    ([18])  د. محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، القاهرة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1996، ص 4.

    ([19])  انظر في أهمية تحرير المفاهيم وضبطها: هبة رءوف عزت، المرأة والعمل السياسي.. رؤية إسلامية، واشنطن (فيرجينيا): المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية (18)، 1995، ص 44.

    ([20])  د. أحمد صدقي الدجاني، التحيز في المصطلح، ندوة «إشكالية التحيز.. رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد»، (19-21 من فبراير 1992)، القاهرة، نقابة المهندسين والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص1.

    ([21])  حمدي عبيد، قراءة في مصطلحات مشبوهة، المنار الجديد، العدد (11)، ربيع 2000، ص 68.

    ([22]) Marilee Karl, Women and Empowerment, Participation and Decision Making, London: Zed Books LTD, 1995, P. 14. .

    ([23]) د. محمد عمارة، صراع القيم بين الغرب والإسلام، القاهرة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، في التنوير الإسلامي (19)، 1997، ص 17.

    ([24])  حمدي عبيد، مرجع سابق، ص 62.

    ([25])  د. محمد عمارة، صراع القيم بين الغرب والإسلام، مرجع سابق، ص 22.

    ([26]) د. الحسيني سليمان جاد، وثيقة مؤتمر السكان والتنمية.. رؤية شرعية، كتاب الأمة، العدد 53، جمادى الأولى 1417هـ، ص 59.

    ([27])  عمرو عبد الكريم، في قضايا العولمة، إشكالات قرن قادم، القاهرة، سما للنشر، 1999، ص 53، وانظر أيضًا د. عبد الوهاب المسيري، العلمانية الشاملة.. رؤية جديدة، تحت الطبع، ص 176.

    ([28])  حمدي عبيد، مرجع سابق، ص 65.

    ([29])  د. عبد الوهاب المسيري، الأنثوية، ما بين حركة تحرير المرأة وحركة التمركز حول الأنثى.. رؤية معرفية، القاهرة، سبتمبر- أكتوبر 1997، ص 58.

     
     

     متقدم

    من نحن

    اتصل بنا

    الصفحة الرئيسية

    مؤتمرات

    ميثاق الطفل

    ميثاق الأسرة

    الرؤى النقدية

    أبحـــاث

    مقــالات

    الائتلاف

    أخبار اللجنه

    بيانات اللجنة

    العفاف

    إصداراتنا

    الرؤى الإسلامية

    اللجنة في الإعلام

    ألبوم اللجنة

    الأســـرة

    حــوارات

    قـرأت لك

     

    اتصل بنا  |  من نحن   |  الرئيسية  |  اتفاقية الاستخدام  |  سجل الزوار
    جميع الحقوق محفوظة للجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل © 1999 -  2012

    للحصول على أفضل عرض استخدم Internet explorer

    اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل